لأنه كما وصفه القرآن : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [ النحل : 100 - 101 ] . وفي موضع آخر تنقل لنا الآيات تصريحا عن الشيطان نفسه . تقول الآية : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ إبراهيم : 22 ] .
إن كون الإنسان من المؤمنين لا يعني أنه لا يتعرض إلى وساوس إبليس وضغوطه ، وحتى الأنبياء تعرضوا لضغوطه ومحاولاته الدائمة للإغواء ، إلا أنهم لم يستجيبوا له ولو ألحق بهم الأذى والمشقة . وهكذا كانوا قدوة للبشرية .
قال بعض المفسرين ( كما نقل الرازي في تفسيره الكبير ) : إن أنبياء الله أرفع من أن يمسهم الشيطان بالنصب والعذاب « 1 » . والحقيقة أن هذا الأمر جائز في مجال الامتحان لأنهم عليهم السلام بعثوا قدوات للبشرية ، وليس صحيحا أن نبعد النظرة الواقعية عن حياتهم ، فنؤول الآيات في ذلك إلى غير مضامينها . فننفي تعرض يوسف للسجن ، وموسى للإهانة ، ونبينا للأذى ، حتى قال عن نفسه :
( مَا أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ مَا أُوذِيْتُ )
« 2 » .
مع أن ذلك هو من صميم حياتهم وعنوانا عريضا في تأريخهم الرسالي ، باعتبارهم أنبياء !
ولو راجعنا آيات القرآن والأحاديث لوجدناها تؤكد على أن الأنبياء هم الأولى بالبلاء ، بل إنهم لم يصلوا إلى هذا المقام الرفيع إلا من خلاله . وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وقد سئل : أي الناس أشد بلاء ؟ فقال صلى الله عليه وآله :
( الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ )
« 3 » .
نعم إن الشيطان لا يتسلط على عقول الصالحين وقلوبهم ، أما الجوانب المادية من حياتهم فهو قادر على سلبهم إياها لو أراد الله امتحانهم فيها ، كما ابتلى في ذلك نبيه أيوب عليه السلام .
قال الإمام الصادق عليه السلام :
( إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَبْتَلِي المُؤْمِنَ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ ويُمِيتُهُ بِكُلِّ مِيتَةٍ ولَا يَبْتَلِيهِ بِذَهَابِ عَقْلِهِ أَمَا تَرَى أَيُّوبَ كَيْفَ سُلِّطَ إِبْلِيسُ عَلَى مَالِهِ وعَلَى وُلْدِهِ وعَلَى أَهْلِهِ وعَلَى
هامش
( 1 ) راجع تفسير الرازي : ج 22 ص 208 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 39 ص 55 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 12 ص 355 .