وفي الدرس الأخير من سورة يس تذكرنا الآيات بهذه الحقيقة عبر بيان شواهد تدبير الله لحياة البشر .
بينات من الآيات :
[ 71 ] ظواهر كثيرة نتعامل معها يوميا ، ولكن دون أن نتبصر ما وراءها من حقائق ، وأعظمها نعم الله السابغة التي تهدينا إلى حبه وشكره ومعرفة أسمائه الحسنى ، ومن أبرزها قدرته وحكمته ، وهما اسمان كريمان يدلان على يوم البعث .
من تلك الظواهر امتلاك ناصية الأنعام ، فلقد خلقها الله بيد قدرته خلقا ، ثم أودع فيها منافع شتى ، وسخرها للإنسان ، ولو شاء لجعلها وحشية صعبة المراس ، كما جعل في البشر حب التملك وقدرة التملك . أرأيت لو لم يكن البشر يحب السيطرة هل كان يسخر شيئا مما حوله ؟ ! .
أَوَلَمْ يَرَوْا هذه الظاهرة المتكررة التي يمرون عليها دون أن يتفكروا فيها ، وإذ هم لا يتفكرون فكأنهم لا يرون شيئا .
أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا والله لم يخلق الأنعام خلقا مباشرا ، بأن يقول لها : كوني فكانت ، إنما خلقها عبر شبكة من الأنظمة والسنن لا تحصى عددا ، ولعل قوله تعالى : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا إشارة إلى هذه الحقيقة التي تجعلنا أكثر امتنانا لبارئنا ، وأكثر وعيا بقدرة ربنا وحكمته ، وبالتالي بيوم الجزاء الأوفى .
أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ فهم الآن يملكون تلك الأنعام فعلا ، ويسيطرون عليها ويسخرونها لمنافعهم .
[ 72 ] تكاملية نعم الله دليل علمه وقدرته . إنك تجد الإبل - مثلا - يقوم بذات الحاجات المتنوعة التي يعيشها البشر ، فهو يحمله مسافات شاسعة دون كلل . أرأيته كيف يقطع الربع الخالي في الجزيرة العربية معتمدا على ما فيه من أشواك حادة وماء قليل ؟ ! أرأيته كيف يتحمل وعثاء السفر والعواصف الرملية الهوج ، ويجري في الرمال المتحركة كما تجري السفن بين الأمواج ؟ ! وفي ذات الوقت تراه يسقي الإنسان لبنا سائغا ، وإذا اشتهى لحما نحره واستفاد منه ، وفيه بعد كل ذلك جمال وعزة ، وكما الإبل سائر نعم الله وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ .
[ 73 ] وتجد في أوبارها وأشعارها وجلودها متاعا ولباسا وبيوتا خفيفة وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ والهدف الأسمى من نعم الله ليس مجرد الانتفاع بها ولكنه التسامي الروحي إلى
من هدى القرآن — صفحة 401
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠١