البساتين إلى نفسه .
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ والعنب - كما التمر - يحفظ لغير موسمه في صورة زبيب ، وهو ذو فوائد غذائية كبيرة ، ولعل عدم ذكر الكرم لقلة فائدته بالقياس إلى النخيل ، والتقارن بين النخيل ذات الارتفاع الكبير ، والكرم الذي هو زرع يثير الإعجاب . كيف أن الله يصنع من هذه ثمرا ومن ذاك عنبا ، وهما متشابهان بالرغم من اختلاف أصلهما ، فهذه شجرة باسقة وذاك زرع مفروش على الأرض أو على ما يعرشون .
وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ أو لا ينظرون إلى شبكة القنوات المنتظمة تحت الأرض ، والأحواض التي تجتمع إليها مياه القنوات ؟ ! ثم اختلاف المستويات على الأرض ، مما يساعد على تفجير العيون من الأرض لترويها ، ويبعث منظرها الخلاب إلى معرفة الرب وشكره .
[ 35 ] إن التناسق بين حاجات البشر وصنع الله في الطبيعة دليل دقة التقدير ، وحسن التدبير ، فالبشر بحاجة إلى رزق يأتيه رغدا ، وإلى هامش من الحرية يستفيد منها في تنويع مصادر غذائية وإظهار إبداعه وفنه ، كما يحتاج إلى تنمية وعيه ومعرفته ، والسكينة النفسية . . وكل تلك الحاجات متكاملة في الجنات والعيون .
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ فيقضوا حاجاتهم المادية إلى الطعام . وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ من تنويع في الطعام ، والاستفادة من الماء والأشجار في بناء البيوت وأدوات المنزل : أَفَلا يَشْكُرُونَ فتطمئن نفوسهم بمعرفة الرب وحبه والثقة به ، مما يعتبر غذاءً أساسيا لروحهم وعقولهم وإرادتهم ، وهي أعظم من أجسامهم .
[ 36 ] ومن الطعام والحاجات الأقرب إلى حياة البشر ينساب السياق إلى أبرز وجوه الحاجة في الخليقة ، فالناس والحيوانات وسائر الأشياء خلقت أزواجا بحيث يحتاج بعضها إلى بعض ، لنعرف أنها مخلوقة مدبر أمرها ، ونعلم - بالتالي - أن خالقها مقدس عن الحاجة ، فهو الرب السبحان الذي خلق الأزواج كلها لتكون آية تعاليه عن العجز .
سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وهكذا كلما في الطبيعة من عناصر ونقاط ضعف شاهدة على حاجتها إلى خالق مدبر ، أوليس الضعيف لا يخلق نفسه ، ولا يدبر أمره ؟ ! ولو خلق نفسه لأكملها ، ولو دبرها لأغناها ، ولكن الله - سبحانه - أركز الخلائق في الضعف ، وأحوجها إلى بعضها ، لتشهد بأن خالقها غني مقتدر ، ولو افترضنا في خالقها ضعفا لرجع الخالق مخلوقا ، ولصدق فيه ما صدق في سائر المخلوقات من الحاجة إلى مدبر أعلى منه .
من هدى القرآن — صفحة 377
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٧