بقدر وحسب نظام ثابت منذ ملايين السنين ، وهكذا تكون حركة الشمس من المشرق إلى المغرب ثابتة .
ولعل الآية أشارت أولًا إلى ثبات نظام الدورة السنوية للشمس ، ثم أشارت إلى ثبات نظام الليل والنهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ كل من الشمس والقمر والكواكب والنجوم تتحرك بسرعة في أفلاكها ، ولكن دون أن تحيد عن النظام القائم قيد شعرة . أوليس في ذلك دليلا على عزة الرب ، ودقة صنعه ، وحسن تدبيره ، ولطف إجرائه للسنن التي قدرها ؟ ! .
والفلك هو الجسم الدائري ، وهكذا تكون في الآية إشارة إلى الحركة الدائرية للأجرام السماوية .
وإذا أخذنا الشمس مثلا لهذه الأجرام نجدها تتحرك في أفلاك مختلفة ، فهي تدور حول نفسها كل خمسة وعشرين يوما دورة واحدة ، وتدور مع سائر كواكب المجرة التي هي فيها بسرعة مليون ومئة وثلاثين ألف كيلو مترا تقريبا في الساعة الواحدة ، وهي تجري في ذات الوقت نحو مستقرها بسرعة اثنين وسبعين ألفا وأربعمئة كيلو مترا في الساعة الواحدة ، وفي ذات الوقت تدور أقمارها حولها بنظام ثابت ودقيق ، وتتحرك سائر الأجرام في هذا الفضاء الرحيب ، كل في فلك دون أن يصطدم الواحد بالأخر . أفلا يهدينا ذلك كله إلى ربنا العزيز الرحيم ؟ !
وهكذا دبر الله شؤون مملكته العظيمة ، أحيى الأرض بالغيث ورزق الإنسان منها ، ونظم شؤونه بثبات نظام الأرض والشمس والقمر ، وأعطى للإنسان فرصة التكامل عبر النظام الذي هو ركيزة أساسية من ركائز الحضارة .
[ 41 ] ويذكرنا السياق بالركيزة الثانية ، وهي وسائل النقل ، فلولا قدرة البشر على الإنتقال بنفسه وببضاعته لما استطاع أن يبني حضارة ، وأعظم وسائل النقل هي السفن ، فمن أقدم العصور وحتى اليوم كان متن الماء صهوة السفن المختلفة التي حملت الإنسان والمواد أكثر من جميع الوسائل الأخرى ، ولا تزال السفن أفضل الوسائل وأرخصها وأكثرها شيوعا ، ولذلك لا بد أن تكون للدولة المستقلة منافذ على البحر ، والدول التي لا تملك مثل ذلك تعاني الكثير من الصعاب .
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ إن الله - وليس الإنسان - سخر الفلك لحمل البشر عبر المحيطات . ولعل كلمة ذُرِّيَّتَهُمْ تعني أمثالهم ونظائرهم ، ذلك لأنه ليس كل الناس يركبون السفن ، وقال البعض : إن معناها أطفالهم ، لأن الطفل رمز الحنان ، وحمله
من هدى القرآن — صفحة 380
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٨٠