[ 31 ] وهم يغفلون عن مصير الغابرين الذين أهلكهم الله بكفرهم واستهزائهم ، ولم يبق منهم سوى العبرة أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ وأعظم ما في الغابرين من أسباب الموعظة أنهم قد ضيعوا فرصتهم الوحيدة ، وأنهم لا يرجعون أبدا إلى أهلهم أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ .
ألا نقف على أطلالهم ، ونتساءل : أين الذين عمروها وعاشوا في ظلها ، وهل يعودون يوما ليروا آثار الدمار الذي لحق ببلادهم ، أو ليخبرونا ماذا كان مصيرهم ؟ كلا . .
[ 32 ] بلى ؛ سوف يجتمع الناس كلهم في يوم الحسرة ليحاسبوا حسابا عسيرا ، ثم ليجازوا جزاءً وافيا وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ .
قالوا : إن حرف إِنْ هنا أصلها إن بالتشديد ، وإن كلمة لَمَّا جاءت للتأكيد ، وهكذا يكون التأكيد يتبع التأكيد : لَمَّا للتأكيد ، وكُلٌّ مبتدأ والتنوين عوض المضاف وهو يفيد معنى التأكيد أيضاً ولَمَّا اللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، ومَّا فريدة للتأكيد . وجَمِيعٌ مجموع وهو الخبر وفيها معنى زائد على كُلٌّ وهو الإحاطة ، وهو تأكيد أيضا ، أي أنّ كلهم مجموع لدينا .
وقال البعض : إِنْ نافية ولَمَّا بمعنى إلا ، كما يقول القائل : نشدتك بالله لما فعلت ، أي إلا فعلت ، والمعنى ما كلهم إلا مجموع لدينا ، على غرار قوله تعالى : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [ الطارق : 4 ] ، وهذا التفسير متناسب مع تشديد لَمَّا كما في المصحف الشريف .
ويجوز أن يكون معنى لَمَّا هو التوقع ، وفيه معنى النفي أيضا ، أي لم يقع حتى الآن وسوف يقع .
وكلمة أخيرة : تقول آخر الدراسات التي بحثت عوامل نشوء الحربين العالميتين : إن البشرية انساقت إليها انسياقا ، فلا أحد من القادة المتحاربين كان يريدها حربا مدمرة لا تبقي ولا تذر ، ولكنهم كمن ينحشر في الزحام يدفع ويدفع ولا يجد سبيلا للخلاص ، انحشروا فيها بلا إرادة ووعي .
كذلك حين تتراكم سلبيات الأمم تتفجر في صور شتى ، منها : الحروب التي يجازي الله بها العباد . أولم يقل ربنا سبحانه : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [ الأنعام : 65 ] .
واليوم كيف يذر الرب العزيز الحكيم هذه الجرائم ترتكب بحق خلقه ؟ ! هذا الظلم
من هدى القرآن — صفحة 372
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٢