تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
مع أنه كان - حسب الروايات - راعياً ، ولعل كلمة : أَقْصَى الْمَدِينَةِ تشير إلى طبقته الدانية عند أولئك القوم ، كما تشير إلى موقعه الجغرافي مما تدل على انتشار الرسالة في صفوف بعض المستضعفين ، الذين بالرغم من أنهم كانوا يعيشون في أقاصي المدينة ، وليس في أعاليها حملوا مشعل الرسالة بكل قوة . ولعل تنكير كلمة الرجل للدلالة على اكتمال صفات الرجولة فيه من الهمة العالية ، والحزم الشديد ، والقول الثابت ، كقوله سبحانه : مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ] الأحزاب : [ 23 . وربما سعى الرجل سعيا لاهتمامه البالغ بالإنذار ، وحرصه الشديد على سلامة قومه ، وهكذا يحرص أصحاب النفوس الطيبة على أمن الناس ، ويتفانون في إبلاغ رسالات الله لإنقاذهم من عذابه المحتوم . قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ لقد كان الرجل منهم ، وخاطبهم بما يتناسب ومقام النصيحة ، إذ قال : يَا قَوْمِ ، وكشف منذ البدء عن إيمانه حين أمرهم باتباع المرسلين . وروي أنه كان واحدا من الصديقين الثلاثة في التاريخ ، فلقد جاء في كتاب ( الدر المنثور ) : أخرج أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( الصِّدِّيقُونَ ثَلَاثَةٌ حَبِيبٌ النَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس الَّذِي قَالَ : يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ وَخِرْبِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْن الَّذِي قَالَ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ أَفْضَلهم ) « 1 » . [ 21 ] ومضى الصديق حبيب النجار في سرد حجج المرسلين قائلا : اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً فلا يمكن أن يتهموا بالكذب ابتغاء الأجر ، فهم ليسوا سحرة ومشعوذين ، ولا طلاب كراسي وسياسيين ، ولا أصحاب ثروة ومترفين ، فلماذا يكذبون ، وإنما يفتري الكذب - خصوصا في مثل هذه الدعاوى العظيمة - من يطلب أجرا من أي نوع كانت ، وسيرة الأنبياء كما نمط دعوتهم يشهد لهم بالنزاهة التامة . وَهُمْ مُهْتَدُونَ بلى ، قد يدعي البعض دعاوى كاذبة بجهل أو جنون ، وحاشا رسل الله من ذلك ، إن رصانة دعوتهم ، وكمال عقولهم ، وحسن سلوكهم وسيرتهم ، ووضوح خطهم ، واستقامتهم على الطريق برغم الصعاب ، كل أولئك شواهد حكمتهم وأنهم مهتدون .
هامش
( 1 ) الدر المنثور : ج 5 ، ص 262 .