[ 26 - 27 ] وفعلا نفذوا التهديد الأرعن بحقه ، فوطؤوه بأرجلهم حتى مات ، حسب قول ، وحسب قول آخر أنهم رجموه حتى قتلوه .
فأدخله الله الجنة ، وحينما هم بدخولها تمنى لو كان قومه معه : قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ وجاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال عن مؤمن يس :
( إِنَّهُ نَصَحَ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ )
« 1 » .
وهكذا الشهداء يتمنون لو يعادوا إلى الدنيا ليخبروا أهلها بما للشهيد من مغفرة وكرامة .
[ 28 ] مضى الصديق حبيب النجار شهيدا إلى ربه ، ولم يلبث قومه الجبارون من بعده إلا قليلا حتى أهلكهم الله ، ولكن كيف تم هلاكهم ؟ .
* وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنْ السَّمَاءِ من الملائكة أو ما أشبه ، ولعل ذكر " السّمَآءِ " هنا للدلالة على أن الأمر المهم كان ينزل من السماء .
وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ فما كان ينبغي لرب العزة أن يبعث جندا لمثل هذا القوم . أليس قد تحقق الهدف من دون ذلك ؟ .
[ 29 ] فبماذا تم هلاكهم ؟ إنما بصيحة واحدة جعلتهم - في لحظة - كالرماد الخامد ، لا حس ولا حركة ولا حرارة إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ .
[ 30 ] ويعقب السياق على هذه القصة التي لخصت تجارب الرسالات تقريبا قائلا : يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ إنها تستدعي الحسرات ، حتى إن كل شخص يكون في مثل هذا الموقع لا بد أن يتحسر ، إن الله خلق عباده ليرحمهم ، وأكرمهم بالإرادة والحرية ، فاختاروا طريق الهلاك ، فبعث إليهم الرسل لينذرهم من مغبة أعمالهم ، ولكنهم استهزؤوا بهم ، وعرضوا أنفسهم للهلاك الذي يجر الحسرات . كيف ضيعوا فرصتهم الأخيرة بالاستهزاء ؟ ! وكيف أصبحوا وقود جهنم ، وكان من المرتقب أن يكونوا ضيوف الرحمن في الجنة ؟ ! .
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ولعل الاستهزاء هو أشد ألوان الكفر ، وأبعد سبل الضلالة ، حيث يعيش صاحبه حالة العبثية واللااهتمام ، ومثله في هذا المقام مثل الطبيب الذي ينصح المريض بالدواء ، ويحذره من الهلاك ، فبدل أن يشكره المريض ، ويبادر إلى تنفيذ أوامره تراه يضحك منه . أوليس مثل هذا الرجل يستدعي الإشفاق والحسرات ؟ ! .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 15 ، ص 20 .