ثم إن مبادرة الرسول - أي رسول - بالعمل بما يدعو الناس إليه من مكارم الأخلاق ، وحسن الفعال تشهد على صدقه .
[ 22 ] ثم إن محتوى دعوة المرسلين شاهد صدق لهم ، فهم يدعوننا إلى الله الذي أخذ علينا ميثاقا في عالم الذر بالإيمان به ، الله الذي أودع قلوب البشر فطرة الإيمان به ، الله الذي تابع نعمه علينا ، وتأمرنا عقولنا بضرورة شكره ؟
إن دعوة الأنبياء ليست إلى أنفسهم ولا إلى عنصر أو حزب أو طائفة ، إنما هي إلى الله الذي لاشك فيه ، والذي فطر الجميع على سواء .
وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إذا كانت هذه حقيقة رسالات النبيين فلماذا نكفر بهم ؟ ! وماذا يملك من فقد ربه الذي خلقه وإليه المعاد ؟ ! .
وهكذا نجد هذا الصديق العظيم لم يدع فقط إلى اتباع المرسلين ، بل شارك في الدعوة إلى محتوى رسالاتهم ، وهو التوحيد .
[ 23 ] ثم ندد بالشركاء المزعومين ، وبين أن أساس عبادتهم باطل : ءأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ؟ ! .
فإذا خضع لسلطة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية من دون الله ، فلكي تعطيه الأمن والسلام ، ولكي توفر له الحماية من ذنوبه أمام غضب الرب ، فهل تفعل الآلهة شيئا من ذلك ؟ ! كلا . . إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ فلا يخفف العذاب عنه بسبب عبادته للآلهة من دونه ، بل ذات العبادة جريمة نكراء يعاقب عليها الله ، ولا تستطيع الآلهة إنقاذ المشرك منه .
[ 24 ] إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ لو تركت عبادة الفاطر الذي إليه النشور ، والقاهر على عباده ، إلى عبادة الآلهة التي لا تضر ولا تنفع .
والضلال المبين هو : الضلال الواضح الذي لا ريب في ضلالته .
[ 25 ] ثم أعلن للملأ جبهته التي انتمى إليها ، وتحداهم بإعلان براءته منهم ، فقال : إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ولعله أبلغهم بذلك بعد أن رفض المعاندون قبول نصيحته ، وهددوه بإنزال العقوبة عليه كما هددوا المرسلين من قبل ، ولكنه استقام ، وأمرهم بأن يسمعوا شهادته بوحدانية الرب بلا لبس . ولا ريب أن من الحجج البليغة على صحة الدعوة ، إيمان صاحبها الذي لا يتزلزل ، وتحديه العالم بها .
من هدى القرآن — صفحة 370
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٠