تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
فَهُمْ مُقْمَحُونَ أرأيت الفرس حينما يسحب لجامه كيف يرفع رأسه ؟ قالوا : إن ذلك هو المقمح ، وهو لا يملك قدرة الرؤية ، كما لا يستطيع الحركة . [ 9 ] ويمضي السياق في بيان شقاء هؤلاء الغافلين الذين سدت منافذ عقولهم ( لعله بسبب الأغلال المكبلين بها ) فأمامهم سد ومن خلفهم سد ، وعيونهم محجوبة ، فلا ينشطون للتحرك بسبب السدين ، ولا هم يبصرون بأعينهم شيئا . وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فلا يقدرون على التقدم ، ولأمكنهم التراجع عن الغي ، وهم قد أحيطوا بعقبات تصدهم عن السبيل بما اكتسبوا من آثام . فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ لقد أحاطت بهم خطيئاتهم وغشيتهم فلا يبصرون أنهم محاطون بالسدود ، ذلك أن الذنوب التي يرتكبها الإنسان تخلف آثارها على الواقع الخارجي ، وتتحول إلى سدود أمام هداية البشر وسعادته . أرأيت الذي انتمى إلى حزب كافر ، وعمل من أجل انتشار مبادئه الضالة ، وتربية جيل من الناس عليها . هل يقدر على الخلاص منه ؟ ! كلا . . بل يضحي مثله مثل دودة القز التي تصنع الشرنقة ثم تموت فيها ، وهكذا الذي أعان ظالما حتى سيطر على البلاد . إنه يصبح أسير عمله ، وكثيرا ما يسلطه الله عليه ، ويقتل بسيف البغي الذي سله على الناس . ولعل السدّين هنا إشارة إلى آثار الجرائم الخارجية ، بينما الأغلال تشير إلى الآثار النفسية لها ، حيث يزين الشيطان للنفس أعمالها حتى تغدو ملكات يصعب تجاوزها . أما الغشاوة فهي الظلمات التي تحيط بالقلب ، فينطفئ فيه الضمير ، ويخبو نور العقل ، ولا يحس البشر أنه واقع في المهلكة ، بل قد يزعم أنه على صراط مستقيم . [ 10 ] وعندما تتراكم الأغلال الغليظة حول القلب الغافل ، وتحيط بصاحبه سدود الجريمة ، وتغشاه ظلمات الجهل ، يصل إلى الدرك الأسفل فلا ينتفع بالإنذار ويكون مثل قلبه مثل جسم مريض لا يستجيب للدواء ، فلا يرجى شفاؤه . وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إن هذه العاقبة السوأى تنتظر كل أولئك الذين يغفلون عن ربهم فيختطفهم الشيطان ، ويسترسلون مع الأهواء والظروف حتى تحيط بهم أغلال العادة العصبية ، والعزة بالإثم ، وسدود النظام الفاسد اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ، وتغشاهم ظلمات الجهالة ، ولا ينفعهم آنئذ الإنذار . وعلى البشر أن يتجنب الخطوة الأولى التي تقوده إلى الهاوية ، لأنه كلما هبط أكثر كلما كانت جاذبية الهاوية أقوى .
من هدى القرآن — صفحة 360 | السيد محمد تقي المدرسي