القرآن تجل لاسم العزة التي تعني فيما تعني المقدرة والهيمنة ، كما لاسم الرحمة ، لأن رحمة ربنا اقتضت إنقاذ البشر من براثن الضلالة والشرك .
تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ونستوحي من الآية أن القرآن سيهزم المبادئ الباطلة عاجلا أم آجلا ، لأنه تنزيل العزيز الذي يؤيد بعزته رسالاته ، ويعكس هذا استمرار انتشار نور الإسلام في الأرض بالرغم من كل العقبات التي يجعلها أمامه الطغاة .
[ 6 ] أما هدف الرسالة فهو إنذار قوم غافلين ، ما أتاهم من قبل الرسول من نذير لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ وقد فسر أغلب المفسرين هذه الآية بأن أولئك القوم لم ينذر آباؤهم من قبل ، مما يخالف قوله سبحانه : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [ فاطر : 24 ] وهناك تفسير آخر يجعل حرف مَا موصولة فيكون معناه تقريبا : ( لتنذر قوما بما أنذر آباؤهم من العذاب ) . وسواءً أخذنا بهذا التفسير أو ذاك فإن من المعلوم أن قوم الرسول لم ينذروا منذ فترة طويلة ، فهم لم ينذروا من قبله بهذا المعنى ، ونجد هذا المعنى في آية أخرى : وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [ سبأ : 44 ] ولكن هل يعني ذلك أنهم لم ينذروا أبدا ؟ كلا .
[ 7 ] ويذكر السياق بالتحديات التي يواجهها النبي - كسائر الرسل - في طريق الدعوة ، فسوف لا يؤمن هؤلاء الناس ، وسوف يقوم صراع مرير بينه وبينهم ، ويستمر الصراع حتى يبتلى المؤمنون وحتى يأذن الله بالنصر المبين ! .
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وهكذا لا ينبغي الخضوع للتيار الاجتماعي إذ عدم إيمان الأكثرية ليس دليلا على نقص في حجج الرسالة بل في وعيهم .
وتعطينا الآية دفعة معنوية لنمضي قدما في حمل الدعوة دون أن نهين أمام رفض الأكثرية أو كفرهم بها .
[ 8 ] ولكن لماذا لا يؤمن بها أكثرهم ؟ .
لأن تراكم المعاصي على قلوبهم ، وعلاقاتهم الاجتماعية القائمة على الظلم والاستعباد ، وتخلفهم وانشدادهم إلى عادات مجتمعهم وتقاليد آبائهم الضالين ، كل أولئك تشكل أغلالا في أعناقهم إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا الشهوات غل ، وعادات المجتمع أغلال ، والتكبر والحسد والعصبيات أغلال .
فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ لعل معناه : أن الأغلال عريضة بحيث تأخذ بمجامع أعناقهم وتبلغ الأذقان ، ونستوحي من ذلك أن عبوديتهم شاملة .
من هدى القرآن — صفحة 359
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٩