القسم يكون أبلغ أكد ، ولعل كل ما في القرآن من حلف هو من هذا النوع . أليس القرآن كتاب حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ وهكذا ينبغي البحث دائما عما يوصل بين طرفي القسم ، وهو في الأكثر صلة الحجة والشهادة .
وهنا يحلف الذكر بالقرآن الحكيم على رسالة النبي . أوليس القرآن أكبر شاهد على رسالته ؟ أوليس المعجزة التي لا تفنى ولا تنتهي غرائبه ، الجديد أبدا الذي يسبق الحياة دائما .
يس ترى أي صفة في القرآن تجعله أكبر شاهد على الرسالة ؟ هل هي بلاغته التي أخرست العرب الذين زهوا ببلاغتهم وسموا أنفسهم عربا لأنهم أعربوا عما يختلج في ضمائرهم ؟ .
أم لأنه جاء على يد نبي أمي ما عهد القراءة والكتابة ؟ .
أم لأنه تنبأ بالمستقبل فلما تحققت أنباؤه عرف الناس صدقه ؟ .
أم لأنه أنبت حضارة ربانية في أرض الجاهلية العريقة ؟ .
كل تلك الصفات شواهد صدق الرسالة إلا إن الصفة الأسمى للقرآن حكمته . ما هي هذه الحكمة التي يحلف بها الرب هنا ليستدل على أن محمدا صلى الله عليه وآله من المرسلين ؟ .
لا يزال ( العلم ) الشاهد العظيم عند كل الناس على صدق أو كذب أصحاب الدعوات الجديدة ، والقرآن فتح أمام البشرية ولا يزال آفاق المعرفة :
عرفهم بربهم حتى وجده العارفون ، وجالسه الذاكرون ، واستأنس به المريدون .
عرفهم بأنفسهم حتى بصروا عيوبها ، وميزوا بين فجورها وتقواها ، واجتهدوا في تزكيتها وتنمية المواهب فيها .
عرفهم بالسنن الإلهية في الأمم الغابرة حتى أخذوا بأسباب التقدم ، وتمسكوا بأهداب التكامل والفلاح .
عرفهم بمناهج المعرفة ، وسبل السلام ، ومفاتيح النجاح ، ووسائل القرب إلى الله .
فأية شهادة أكبر على صدق الرسالة من ذات الرسالات ، وعلى صدق الرسول من أنه يحملها ويطبقها ؟
والقرآن ليس فقط كتاب علم بل هو أيضا كتاب حكمة ، والحكمة - كما يبدو لي - العلم
من هدى القرآن — صفحة 357
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٧