النافع الذي بلغ في تكامله ونضجه مبلغا يجعله مؤثرا في سلوك البشر ، ومغيرا الحياة ، وصانعا للحضارة .
دعنا نضرب مثلا : علم قيادة السيارة قد يكون نظريًّا ، فهو مجرد علم ، وقد يتحول إلى مهارة عملية . ألا يختلفان ؟ « 1 » . ولكن أين الاختلاف ؟ إنما في أن دراسة قيادة السيارة في معهد مرحلة أولية في علم القيادة ، أما إذا تدرب الإنسان عليها بلغ العلم مرحلته النهائية ، والقرآن ذلك الكتاب الحكيم الذي يشفي الصدور ، ويبعث الهمم ، ويعطي البصائر ، ويكمل العقل ، ويضع الشرائع السليمة ، . . فهو ليس علم الحياة بل هو الحياة .
[ 3 ] الرسالة حقيقة لا ينكرها إلا المعاندون ، وقد أرسل الله أنبياءه عليهم السلام حتى لم يكن إنكار الرسالة أصلا يجدي أحدا نفعا ، ولعل التعبير القرآني هنا يوحي بهذه الحقيقة إذ قال : إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ فلست بدعا من الرسل ، وإنما أنت واحد من أولئك الكرام الذين بلغوا عن الله ، وأنت تصدقهم ، وهم بشروا بك . . وهذا بدوره شهادة على صدق الرسول .
[ 4 ] وشهادة أخرى على ذلك أن الرسول على الصراط المستقيم ، استقامة النفس بالعقل ، واستقامة السلوك بالشرع ، واستقامة القول بالصدق ، واستقامة العمل بالصلاح .
فإذا ضلت المذاهب في ربهم فإن الرسول يهدي الإنسان إلى الله بما يتفق مع الفطرة والعقل ، وحين يبلغ العبد معرفة الرب لا يبقى لديه ريب في صدق الرسالة .
وإذا تطرفت المذاهب فأهمل بعضها العقل وأهمل البعض البدن ، فإن الرسول على طريق مستقيم وسط ، لم يهمل جانبا على حساب جانب .
وإذا كانت الأهواء تسير الناس ذات اليمين وذات الشمال فإن ضغوط المجتمع والاقتصاد والسياسة تتكسر على صمود الرسول ثم تتلاشى أمام استقامته التي تحدت إغراء الشمس والقمر .
إن استقامة رسالة النبي وسلوكه تشهد على أنه ينطق عن الوحي ، وأنه مؤيد بالغيب عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ 5 ] بماذا أنزل الله الرسالة ؟ وأي اسم يعكسه كتابه ؟ أوليس الكتاب دليل صاحبه ؟ .
هامش
( 1 ) إننا نستخدم كلمة العلم عادة في الجانب النظري بينما نستخدم للجانب العملي كلمات مثل الفن والمهارة والتدريب والتقنية .