وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيداً ويحتمل هذا الشطر أحد تفسيرين : فإما يكون وصفا لطبيعة الامتحان بأنه من الصعوبة يشبه الزلزال الشديد ، وإما يكون حديثا عن نتيجة الامتحان ، فيصير المعنى أن المؤمنين اهتزت مواقفهم وتأثروا ، فيحمل تفسير الآيتين ( 22 - 23 ) مضافا لهذه الآية : أن المؤمنين صاروا فرقتين ، فرقة تأثرت بالامتحان سلبا في بادئ الأمر ، فاكتشفت ضعفها وجبروته ، وفرقة ما زادهم إلا إيمانا وتسليما .
[ 12 ] أما المنافقون فقد افتضح أمرهم ، وبرزوا على حقيقتهم أمام القيادة الرسالية يومذاك وأمام المجتمع ، ولعل هذا الفرز من أهم أهداف وفوائد الأزمات التي يتعرض لها البشر في حياتهم .
والمنافق هو الذي يعيش شخصيتين : شخصية الإنسان المؤمن الصادق - وهذه يظهرها ليستر بها شخصيته الحقيقية الثانية بما فيها من الأنانية والدجل - فإذا استوجبت الظروف تعرض مصالحه للخطر ، ووجد الالتزام ولو ظاهريا بالشخصية الإيجابية يعرضها للزوال ظهر على حقيقته .
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهم المؤمنون الذين يحملون الحقد والحسد والاستكبار و . . . في قلوبهم ، فإن شأنهم شأن المنافقين ، لأن هذا المرض سوف يسبب لهم الانهيار والفرار في ساعة المواجهة ، فهم يلتقون مع المنافقين في خور عزيمتهم ، وطبيعة موقفهم من الشدائد ، والذي يتجسد في فرارهم وسلبيتهم في المجتمع بخلاف المؤمنين الصادقين - تماماً - فبينما يقول أولئك : صدق الله ورسوله ، ويزدادون إيمانا واستقامة على الطريق ، يقول هؤلاء : مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ويستدلون على ذلك بأن النصر لم ينزل عليهم .
[ 13 ] وثمة مجموعة من المشككين لا يكتفون بهزيمتهم إنما يشيعون جوا من الهزيمة بهدف زلزلة عقائد الآخرين ، وهذه من طبيعة المنافقين .
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا حينما تتعرض الأمة للخطر فهي أحوج ما تكون إلى الثقة بنفسها وبقيادتها وبربها ، وبالتالي فإن الألسن والأقلام التي توهن المجتمع ، وتبث فيه روح الهزيمة لهي منافقة ، وعلى المجتمع أن لا يستجيب لها ، إنما يلتف حول قيادته الرسالية ، كما إن من واجب القيادة فضح هذه الشريحة وإقصائها عن موقع المسؤولية والتوجيه .
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ ويغطون هذه الهزيمة بمجموعة من الأعذار والتبريرات الواهية يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ، قالوا : إن بيوتنا مكشوفة للعدو ، ولا نأمن على أهلنا منه ، فلابد أن نبقى معهم نحميهم ، لكن الله فضحهم إذ قال :
من هدى القرآن — صفحة 173
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٣