وقد مر في تفسير سورة الأنفال القول : بأن أهم عمل قامت به الملائكة ، كان تثبيت قلوب المؤمنين من جهة ، وتشتيت قلوب الكافرين من جهة أخرى ، وعلى ضوء هذا التفسير نستطيع القول بأن أهم قوة عسكرية تستطيع هزيمة العدو هي التي تتوفر فيها صفتا الوحدة والاستقامة ، اللتان تؤديان إلى الثبات في المعركة .
ونصر الله للمؤمنين لا يأتي إلا إذا بذلوا قصارى جهدهم ، وكل ما بوسعهم من أجله ، فلو كان المسلمون يوم الأحزاب ينتظرون عون الله ، من دون تهيئة الظروف المناسبة له ، من استعداد لمواجهة العدو ، وإعمال للعقل في سبيل ذلك لما نصروا عليهم ، ولعله لهذا يشير إلى سعي المؤمنين .
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً فلأنكم بذلتم ما في وسعكم ، وحفرتم الخندق في أربعين يوما متواصلة ، وأرهقتم أنفسكم في شهر رمضان ، وفي حرارة الصيف ، وقد رأى الله منكم كل ذلك وعلم بنواياكم الصادقة نصركم على الأحزاب .
[ 10 ] إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أي من فوق الوادي - من ناحية الشام - وهم يهود بني قريظة وبني النضير وغطفان ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من ناحية مكة - قبل المغرب - وهم قريش ومن تبعها من العرب ، وكان من شدة الأمر أن الأبصار في تلك الحالة لم تكد ترى أو تستقر ، وهذه الحالة تصيب الإنسان لا إراديا إذا واجه أمرا يهوله ويعظم في نفسه .
وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ كما إن القلب يظل ينبض بقوة وسرعة في مواطن الفزع ، بحيث يشعر الإنسان وكأنه صعد إلى حنجرته وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ في ساعة العسرة تأتي البشر مختلف التصورات حول ربه ، وربما يكون الكثير منها سلبيا ، فإذا به وهو يقف في صف المؤمنين لمحاربة أعداء الرسالة يفقد الثقة بنصر ربه ، ويظن أنه لن ينصره ، وهل الإيمان إلا حسن الظن بالله .
[ 11 ] لكن الله يجعل الأحداث تتصعد وتتأزم ، وقد يؤخر النصر ، ويعرض المجتمع لأنواع الابتلاء ، وذلك تمحيصا للقلوب ، وفرزا للمجتمع ، فإذا به فريقان ، فريق المؤمنين وفريق المنافقين .
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ أما المؤمنون فقد كان الأمر بالنسبة إليهم امتحانا - أظهر ما يضمرونه في قلوبهم على ألسنتهم - كما تسببت شدته ، في ذهاب الصفات التي لحقت بهم ، والتي ليست من طبيعة الشخصية المؤمنة ، فإذا به يزيدهم إيمانا وصفاء .
من هدى القرآن — صفحة 172
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٢