تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
المهم أن الإنسان مهما يهيئ من الوسائل المادية ، فقد يتأثر بعوامل لا يستطيع ضبطها ، وهي ما نسميها معشر البشر بالصدف ، أو هامش الاحتمالات . والكفار حينما ساروا لحرب المسلمين يومئذ كانوا قد أعدوا العدة للقضاء عليهم ، ولم يكن في بالهم أن شيئا يمنعهم عن المسلمين ، ولكنهم انهزموا وخسروا المعركة ، وكان السبب المادي الظاهر هو الخندق الذي حفر حول المدينة ، وعموما ما استخدمه وهيأه الرسول من الوسائل والأساليب للمعركة ، ولكن العامل الأمضى والأهم أثرا هو الجنود التي لم يلحظها المسلمون بأعينهم ، وإنما جاءت إشارة القرآن إلى هذا العامل الحاسم في الانتصار بهدف إعطاء الثقة للرساليين عبر الأجيال ، بأنهم يجب أن يعتمدوا بعد الاستعداد وبذل قصارى الجهود ، على نصر الله لا على ذواتهم ووسائلهم المادية . الحكمة الثانية : كما تؤكد الآيات على الابتلاء الذي يعرض الله له المؤمنين ، وأنه من أهم أهداف الحروب والغزوات ، فمنهم من يستفيد من البلاء والابتلاء ، في تثبيت إيمانه ، ومنهم من يتزلزل ولكنه يعود ليصلح مسيرته ، ومنهم من ينهار تماما ، والمؤمن الذي يسقط ثم يعود إلى الصواب ثانية ، قد يكون أقدر على الاستمرار ، من الآخر الذي لم يسقط ولا مرة لأنه لم يُجالد الشدائد ، لأنه جرب السقوط ، فعرف كيف يجب أن يقوم لو سقط مرة أخرى ، كالجسم الذي يبتلى بجرثوم معين ، ثم يطيب منه ، فإنه يكتسب شيئا من المناعة ضده ، لو عاوده من جديد ، لكن هذا الجرثوم نفسه قد يفتك بالآخرين الذين لم يبتلوا به ، وبالتالي لا يملكون مناعة ضده . والذي يصنعه الابتلاء للإنسان المؤمن ، أنه يطهر قلبه من أسباب الشك والتردد ، ويمكننا أن نحدد أهم أهداف الابتلاءات والمصاعب التي يعانيها الإنسان في حياته في أمرين : ألف : تمحيص قلوب المؤمنين . باء : تمحيص المجتمع . ففي الظروف الصعبة كالحروب يفرز المؤمن عن المنافق ، مما يكشف الواقع أمام القيادة ، وبالتالي يتسنى له إبعاد المنافقين من تجمعها : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ [ آل عمران : 179 ] . الحكمة الثالثة : تبين لنا الآيات أنواعا من التبرير والأعذار التي يتشبث بها المنافقون من أجل التستر على نواياهم ، وفرارهم من المسؤولية ، ومن بينها قولهم : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ فرارا من الحرب ، دون التفكير في صحتها . وعلى القيادة الرسالية أن تشخص الأفكار التبريرية وتدحضها .