والمجتمع الذي يترك المنافقين أحرارا ، يستغلون طاقات الأمة وانتصاراتها ، فينزون على السلطة على غفلة من أبنائها ، ولعدم وعيهم ، فإنه لن يدوم طويلا في مسيرته الصاعدة ، وأبناؤه يعلمون أن أعمالهم تنتهي إلى جيوب الانتهازيين والمنافقين .
والقرآن الكريم يفضح - في أكثر من سورة - المنافقين الذين يبحثون عن المكاسب والمغانم ، دون أن يقدموا من أنفسهم شيئا للحصول عليها ، فهم في الأزمات والحروب يتهربون من المسؤولية ، ولكنهم يبرزون ويظهرون أنفسهم أبطالا حين المغانم والانتصارات .
بينات من الآيات :
[ 16 ] كانت حرب الأحزاب من الأزمات الصعبة التي مرت بها الأمة الإسلامية ، وكان من إيجابياتها - كما سائر الأزمات - أنها كشفت واقع فريق المنافقين ، والقرآن لا يذكر تفاصيل هذه الحادثة في هذه السورة ، إنما يذكر ببعض النقاط الحساسة منها .
فيؤكد لنا بأن الإنسان لا يستطيع أن يدعي القدرة على الخلاص من الموت أو القتل بالفرار ، أو أن ذلك ينفعه . كلا . . فهو قد يبعده عن ذلك لحظات وأياما ، ولكنه لن يكون سببا للبقاء والاستمرار ، فما يدفعه المجتمع وحتى الإنسان الفرد عن الهزيمة يفوق ما يدفعه حين الاستقامة والاستمرار أضعافا مضاعفة ، فهو بالفرار من المعركة يعطي العدو زخما من القوة والثقة بالنفس .
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا بينما تهب الشجاعة للإنسان عمرا طويلا ، لأن الشجاع يقاوم الأعداء ومن ثم يضمن استمراره .
[ 17 ] وبالإضافة إلى أن الفرار من الموت لا يجدي نفعا ، إذ إنه يدركهم أنى كانوا ، بالإضافة إلى ذلك فإنه يغضب الرب ، وهم لا يملكون من دونه وليا ولا نصيرا ، فإذا أراد بهم سوءاً فلا عاصم لهم منه يمنعهم من عذابه ، وإذا أراد بهم رحمة فلا أحد قادر على منع رحمته عنهم .
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً إن الهزيمة أمام الأعداء مظهر من مظاهر ضعف الإيمان بالله وتعلق القلب بالشركاء من دونه ، وهكذا ينسف القرآن هذه الفكرة بقوله : وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً
[ 18 - 19 ] ثم يذكرنا القرآن بجانب من صفات المنافقين وهي :
أولًا : أنهم يبحثون عن أمثالهم ، أو لا أقل مثلهم عمليًّا ، فإذا بهم يثبطون الناس عن
من هدى القرآن — صفحة 176
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٦