- كما توضحه نفس الآية - هو إقامة الحجة على الخلق : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [ الأعراف : 172 - 173 ] . وكل من لبى قبل الآخرين كان أقرب إلى الله ، فيزوده بنور العلم والرسالة ، وكانوا هم الرسل والأنبياء والأوصياء والأولياء ، قال الإمام الصادق عليه السلام :
( فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ ؟ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ الله
صلى الله عله واله
وأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ
عليه السلام
والأَئِمَّةُ ( صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ ) فَقَالُوا : أَنْتَ رَبُّنَا . فَحَمَّلَهُمُ العِلْمَ والدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : هَؤُلَاءِ حَمَلَةُ دِينِي وعِلْمِي وأُمَنَائِي فِي خَلْقِي وهُمُ المَسْئُولُونَ )
« 1 » . ثم اتخذ الله ميثاقا آخر من رسله قبل أن يبعثهم بالرسالة ، وكان هذا الميثاق بقوة الميثاق الأول .
ومن يبعث رسولا يؤخذ منه الميثاق ، لكي يتحمل الرسالة بكل أمانة ، ولأن النبي يتعرض لأنواع الضغوط ، يجب أن لا يخضع للظروف والوسط الاجتماعي ، فإن الله يذكره بين الحين والآخر بذلك الميثاق عبر آيات ، بالرغم من أن النبي منصور من عند الله بالوحي وبروح القدس ، ذلك الملك العظيم الذي يؤيد الله به أنبياءه والأئمة ، ولعل الوحي كما روح القدس لم يكن أرفع شأنا من القرآن ذاته ، لأنه كلام الله . وهل رفعت درجة الوحي إلا بكونه الواسطة التي تحمل القرآن إلى النبي ؟ وهل منزلة الرسول صلى الله عله واله إلا بتجسيده كتاب الله وحمله له ؟ .
والقرآن أعظم مؤيد للرسول ولمن يتبعه ، لأنه يثبت قلوبهم ، ويزيد في إيمانهم وتوكلهم على الله ، بما يذكر به من الآيات والسنن الإلهية ، والحوادث السابقة التي تكشف عنها ، والقرآن موجود بين أيدينا ، فيمكننا أن نستوحي منه بصائر الحياة والعمل ، ونستمد منه العزيمة والإيمان والتوكل ، ونحن نسير في خط الأنبياء . ولما كان الرسول يواجه ضغوط المنافقين والكفار ، ويستعد لحرب الأحزاب التي تجمعت واتحدت ضده ، جاء القرآن تأييدا له على الاستقامة أمام كل ذلك ، فكان لا بد من تذكيره لميثاقه مع ربه ، على العبودية والإخلاص له ، مما يستوجب عدم الانهيار أمام هذه الضغوط ، باعتباره يناقض الميثاق .
ثم يذكر السياق بقصة الأحزاب التي تشتمل على كثير من العبر والحكم التي من بينها :
الحكمة الأولى : تأييد الله للمؤمنين ، فقد أيد الله رسوله والمسلمين في هذه الحرب بجنود لم يروها ، قيل أنها الملائكة ، وقيل هي الريح التي سلطها على الأحزاب ، وقد تكون الرعب الذي قال عنه الرسول صلى الله عله واله :
( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ )
« 2 » ، أو هذه جميعاً .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 132 .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 3 ، ص 250 .