ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ثم أحسن هذا الخلق إذ من عليه بنعمة الحواس والعقل ، وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ وكان من واجب البشر أمام هذه النعمة أن يشكروا ربهم ويتبعوا رسالاته ، ولكن غالبيتهم كفروا بأنعم الله .
قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ وهذا يدل على أن الطبيعة الطينية في الإنسان هي التي تغلب عليه في أكثر الأحيان ، ولهذا نجد في القرآن أمثال وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] ، أو وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف 103 ] . إن الشكر الحقيقي هو تحسس الإنسان بأن النعم من عند الله ، ومن ثم التسليم المطلق له ، وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام :
( أَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى مُوسَى
عليه السلام
: يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ شُكْرِي .
فَقَالَ : يَا رَبِّ وكَيْفَ أَشْكُرُكَ حَقَّ شُكْرِكَ ولَيْسَ مِنْ شُكْرٍ أَشْكُرُكَ بِهِ إِلَّا وأَنْتَ أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ ؟ ! . قَالَ
- تعالى -
: يَا مُوسَى الآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي )
« 1 » .
[ 10 ] ولعل من عوامل كفران النعم الجحود بيوم البعث ، لماذا ؟ . لأن النعم عند من يشكرها عبارة عن مسؤوليات ، وشكرها الوفاء بحقوقها ، ومن يجحد القيامة يتهرب عن مسؤولية النعم ، وبالتالي لا يشكرها . بل لعل السبب النفسي لجحود البعث التهرب عن مسؤولية النعم وحقوقها المفروضة علينا .
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ توزعت أشلاؤنا ، وتناثرت أعضاؤنا ، أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ هذا هو ظاهر الاعتراض على دعوة الرسالة ، ولكن الواقع هو التشكيك في قدرة الله سبحانه ، والكفر بلقاء الله .
بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ولعل الآية تشير إلى أن الكفار إنما ذكروا هذا الاعتراض جدلا فثم عقدوا العزم على الكفر بلقاء ربهم ، خشية تحمل المسؤولية في الدنيا ، فأخذوا يتشبثون بأدلة جدلية لتبرير كفرهم هذا .
[ 11 ] ولكن الله يؤكد أنه هو الذي يدبر شؤون الحياة ، وليست الصدفة ، وما دامت الحياة قائمة على تدبير إلهي فلماذا التشكيك في يوم المعاد ، وهو مما تقتضيه الحكمة ؟ ! .
ولماذا يستغرب الإنسان من فكرة البعث ، وقد خلقه الله ولم يكن شيئا مذكورا ، ثم إنه هو الذي يميته بمشيئته وليست الصدفة .
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ولقد وكل الله
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 98 .