رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [ الحج 47 ] ، وعموما فإن في الآية إشارة إلى حقيقة التكامل في الخلق اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يتطور خلالها الخلق يوما بعد آخر .
بالإضافة إلى دلالة هذه الآية على نظرية التكامل الإسلامية ، فإنها تدل على دور الزمن في واقع الأشياء ، إذ هو جزء منها ، وهذا ما نستوحيه من عدة آيات قرآنية من بينها قوله تعالى : مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [ الأحقاف 3 ] ، أي وبأجل مسمى ، ولعل الباء المحذوفة هنا هي نفسها التي في كلمة بالحق وتعني الاستعانة .
وإذ خلق الله الخلق لم يتركه سدى كما تدعي ذلك اليهود ، مستوحية من النظريات الفلسفية البائدة ، بل هيمن عليه بتدبيره .
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا وهو تعبير عن القدرة والهيمنة . وما دام الكون خلق بإرادة الله ، ويدبر بمشيئته فلابد أن نتوجه إليه ونعبده ، لأنه لا أحد يقف دون تنفيذ إرادته ، وإجراء قضائه .
لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ هذه الحقيقة مغروزة في فطرة الإنسان ، وآياتها مبثوثة في الخليقة ، ولكن ينساها البشر مما يجعله محتاجا إلى التذكرة .
[ 5 ] ثم تؤكد الآيات هيمنة الله على الخلق ، وتدبيره له من مراكز أمره في السماء :
يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ أي يجعله محددا ، وكلمة تدبير مأخوذة من الدبر أي النهاية ، وتدبير الأمور أي معرفة عواقبها ، وما تؤول إليه .
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ حينما يتدبر الأمر لا يعني أنه انتهى ، بل إن أي عمل يقوم به الإنسان يحدده الله ثم ينتهي إليه عندما يكتسبه العبد . ونستوحي من هذه الآية أن كل شيء في هذا الكون لا ينعدم ، فالكون يشبه الشريط السينمائي وهو يتحرك مع الزمن ، وما نعتقد أنه حدث وانتهى ليس كذلك ، فهو موجود في هذا الشريط ، ويعود يوم القيامة . قال تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ الأنبياء 104 ] .
والآية هنا صريحة في أن مقدار يوم القيامة ألف عام ، بينما نجد في آية أخرى أن مقداره خمسين ألف سنة ، لماذا ؟ لعله لأن ساعات يوم النشور خمسون ، ويدبر الله في كل ساعة أمرا ، وأن عروج الأعمال إليه إنما يتم في ساعة واحدة منه ، بمثل هذا جاءت رواية مأثورة عن الإمام
من هدى القرآن — صفحة 136
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٦