في الدنيا والآخرة ، ونظرا لمقام الرسول وعظم مسؤولياته فإنه يحاسب بقدر تلك المسؤوليات فكلما ارتفعت مسؤولية الإنسان ، كلما حوسب أكثر بعكس الذين لا يحملون مسؤولية كبيرة ، لأن انحراف القيادة يعني انحراف قطاع كبير من الأمة .
( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ) هذه الآية هي جواب على الآيات الأولى ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ) أي لو انحرفت فقد تجد من ينصرك في الدنيا ، ولكن من الذي ينصرك من عذاب الله .
[ 76 ] ( وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ) الإنسان الذي يحمل الرسالة لابد أن يضع في اعتباره أنه سوف يتعرض للضغوط الاجتماعية ، والمادية ، ومن ضمن هذه الضغوط ( الإخراج والتهجير والمقاطعة الاجتماعية والإيذاء ) . ومن يقرأ ما عانى رسول الله من الإيذاء لا يمتلك دموعه ، وخاصة عندما فقد عمه وزوجته في عام الأحزان ، ولم يجد أحدا يمنع المشركين عن أذاه ، فاشتد إيذاؤهم له ، وتولى أبو لهب سيادة قريش ، ويزداد أذىً له وهو عمه وأقرب الناس إليه ، وإذا كان عمه هكذا فكيف يكون المشركون ؟ ! .
ثم بعدما ضاقت عليه الأرض بما رحبت هاجر إلى الطائف ، ولقي من العنت مثلما لقي في مكة ، فإذا بصبيانها يدمون رجلي الرسول بالحجارة ، وعندما تأزمت الأمور أكثر بين الرسول وأهل مكة حاولوا إخراجه ، ومن ثم تآمروا على قتله ، فهاجر إلى المدينة ليفتح بذلك صفحة جديدة أطلت على التاريخ ببوارق الأمل .
( لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) أي يخرجوك وينفرونك ، وهذه ثانية خطط إبليس وشياطينه حيث إنهم حين يفشلون في تغيير الرسالة لتوافق مصالحهم ، ولا أقل لكي لا تضرها رغم إغرائهم لصاحب الرسول بأنهم سوف يدخلون في دينه لو فعل ذلك - أقول بعد فشلهم هذا يتوسلون بالإرهاب ، ويحاولون طرد صاحب الرسالة - من أرضهم .
ونلاحظ أن القرآن أشار إلى هاتين الخطتين في الآية ( 63 ) حيث قال : ( وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) وكأن السياق هنا يذكرنا بفشل إبليس مع نبينا ، وأن علينا ألا ندعه ينجح معنا أيضا ، أَوَلسنا أتباع ذلك الرسول ؟ ! .
( وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ) أي لن يستطيعوا أن يواجهوك بعدما يخرجوك . لعل الآية تشير إلى سنة إلهية ، قضاها الرب لعباده : إن رسل الله ، والذين هم يسيرون على نهجهم ، أوتاد الأرض ، فمن دونهم تسيخ بأهلها ، بهم يحفظ الله العصاة أن يدمرهم شر تدمير ، فإذا طغى الناس وأخرجوا هؤلاء من بلادهم فإن العذاب يصب عليهم صبا . ولولا
من هدى القرآن — صفحة 468
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٦٨