تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
في الآخرة فإنما يعاملهم لقاء ظلمهم لأنفسهم . [ 72 ] ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) غير الله سبحانه مسار الحديث ، فبدل أن يقول مثلا : ( مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ . . ) [ الحاقة : 25 ] ، قال : ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى . . ) ولو أنه قال مثل ذلك لما وضحت صفتهم الرئيسية ، وعلى كل حال فإن هناك صفة مميزة جعلت بعض الناس أصحاب يمين والبعض الآخر أصحاب شمال ، وإن ذكر هذه الصفة في أحدهما يعني وجود عكسها في الآخر ، فصفة أصحاب الشمال العمى ، فإذا تكون صفة أصحاب اليمين الأبصار ، ولعل العمى في القرآن يرادف اللاوعي . إن الوعي في الحياة الدنيا هو ضمان السلامة في الآخرة ، لأن الواعي لا يعمل إلا وفق تقدير وحكمة ، فلذلك تقل نسبة أخطائه ومعاصيه ، ومن لا يمتلك وعيا في الحياة الدنيا يحجزه عن المعاصي فهو في الآخرة أعمى عن النظر إلى رحمة الله ، وكلمة ( أَضَلُّ ) اسم تفضيل على وزن افعل أي أشد ضلالا . إن الله وفر الفرصة للإنسان للهداية ، فإن هو لم يتقبلها ، وكفر بالله ، وتغافل عن دواعي الهداية في نفسه ، فإنه لن يكون أقل عميا في الآخرة عما هو عليه في الدنيا ، بل هو أضل سبيلا ، ذلك لأن ( الجزاء من جنس العمل ) فمن أطفأ شعلة الهداية في نفسه ، ولم يهتد إلى الصراط المستقيم ، هكذا تكون عاقبته ، وهكذا ينبغي أن يسعى البشر نحو الهداية في الدنيا حتى لا يحشر أعمى ، ويبدو من الآية أن الشيطان يسعى من أجل حجب بصيرة البشر ، وذلك بتضليله الذي عبرت عنه الآيات السابقة ب - ( وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) [ الإسراء : 64 ] . وعلى الإنسان أن يتحداه ولا يخضع لغروره ، وأن يسعى نحو أسباب الهداية ، ويتجاوز العقبات التي وضعها إبليس في طريقه . ذلك لأنه مسؤول عن إبقاء بصره سليما . ولا يجوز له أن يسمح لأحد أن يجعله أعمى .

الرسول يتحدى الضغوط

[ 73 ] وكل إنسان مسؤول عن بصيرته ألا يحجبها الشيطان ، وعن هداه ألا ينحرف عنه تحت وطأة الضغوط ، وهكذا كان الرسول يتحدى الضغوط التي يمارسها اتباع الشيطان لتغيير الرسالة . والتعبير القرآني بليغ في بيان مدى كثافة الضغوط التي يتعرض لها صاحب الهداية ، حتى أنها تكاد تؤثر في الرجل العظيم الذي يصفه الإمام علي عليه السلام بقوله : ( صَلِّ اللهُمَّ عَلَى الدَّلِيلِ إِلَيْكَ فِي اللَّيْلِ الأَلْيَلِ ، وَالمَاسِكِ مِنْ أَسْبَابِكَ بِحَبْلِ الشَّرَفِ الأَطْوَلِ ، وَالنَّاصِعِ الحَسَبِ فِي ذِرْوَةِ الكَاهِلِ الأَعْبَلِ ، وَالثَّابِتِ القَدَمِ عَلَى زَحَالِيفِهَا فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ ، وَعَلَى آلِهِ الأَخْيَار ) « 1 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 84 ، ص 339 . من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام .