يقول ربنا : وهو يشير إلى تلك الضغوط : ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) يسعى الكافرون والمشركون أن يفتنوا الرسول ، ويبعدوه عما أوحي إليه بالتشكيك ، أو بالإرهاب ، أو بالضغوط الاجتماعية ، والنفسية ( لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ ) ليس فقط يريدون أن يبعدوك عن رسالتك ، بل يريدون أن تسخر هذه الرسالة لصالحهم ، لأنهم يفكرون لو أنهم أبعدوك عن دينك ، فإنه من الممكن أن ترجع إليه ، ولكن عندما تفتري على رسالتك ، وتكذب فيها آنئذ ستفهم هذه الرسالة بشكل مشوه ، وبالتالي ستبتعد عن دينك ، وهذا ما يفعله الكفار ومن شايعهم اليوم ، حين يصيغ الإسلام كما يريد ، ويحرفه عن مساره ، يحوله إلى دين الطقوس والشكليات المجردة بعد أن يفرغه من جوهره ، ويختار لذلك بعض أدعياء الدين .
( وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ) إذا كيفت رسالتك حسبما يريدون فأنت إذا مخلص لهم وما جزاء المخلص لهم إلا أن ترفع مرتبته عندهم ، وهكذا يجب على الداعية أن لا يتنازل عن مبادئه في أي ظرف من الظروف ، وأن يضحي من أجل أداء رسالات ربه .
[ 74 ] ( وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) لولا اتصال الرسول بينبوع القوة ، لكانت الضغوط تجبره على التنازل عن رسالته ، وحاشا الرسول أن يتنازل عن مبادئه ، وينقل الرواة إن سبب النزول هو : أن المشركين جاءوا إلى الرسول وقالوا له : ( كف عن شتم آلهتنا ، وتسفيه أحلامنا ) ، واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم الصنان ( الصنان : نتن الإبط ) حتى نجالسك ونسمع منك ، فطمع الرسول في إسلامهم ، فنزلت هذه الآية ، وجاء في حديث العياش عن الإمام الصادق عليه السلام ( انه سئل عن هذه الآية فقال : لما كان يوم الفتح اخرج رسول الله صلى الله عليه وآله أصناما من المسجد وكان منها صنم على المروة ، وطلبت إليه قريش أن يتركه وكان مسخا ، فلم يتركه ، ثم أمر بكسره فنزلت الآية ) « 1 » .
ولعل الآية توحي بأن الداعية قد يهم لتغيير بعض بنود رسالته طمعا في إدخال الناس في الدين وهذا بدوره خطأ ، وينبغي أن يتجنبه الداعية .
إن عصمة الرسول التي تدل عليها الآية ( 74 ) بصراحة تشهد على أن الرسول لم يعزم أبدا على تقديم تنازل للمشركين ، وروي عنه انه صلى الله عليه وآله قال بعد نزول الآيات
( اللهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَدا )
« 2 » .
[ 75 ] ( إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ) أي لأذقناك ضعف العذاب
هامش
( 1 ) تفسير الصافي : ج 3 ، ص 208 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 6 ص 279 ، بحار الأنوار : ج 18 ، ص 204 .