قلنا بأننا لسنا من قوم نوح ، أو قوم عاد ، أو ثمود ، فإن الله يؤكد لنا بأنه سبحانه أعلم بذنوبنا منا ، وليست المسألة محصورة في عنصر ما ، بل هي سنة الله في الخلق .
[ 18 ] قد جاء في الآية ( 12 ) من هذه السورة المباركة : ( وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا ) . وهذه الآية تكلمنا وتقول : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ) فإذا أراد الإنسان الدنيا فإن الله يؤتيه منها بقدر حكمته ووفق سنته .
( ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) فيذم نفسه ، ويذمه الآخرون ، ويدحرونه ، أي يبعدونه عنهم وكذلك الله يذمه ويدحره .
[ 19 ] ( وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ) وتشير الآية إلى أن سعي الإنسان في الدنيا مفيد ، فإن كان يريد الدنيا إن الله سبحانه يعطيه منها بقدر ، ومن أراد الآخرة يشكره الله على سعيه .
ولكسب رضا الله والفوز بالجنة لا يكفي الإنسان أن يحلم بذلك ، بل عليه أن يسعى من أجله ، وأن يكون مؤمنا بعمله ، يؤديه عن خلوص نية .
[ 20 ] ( كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) وقد يتساءل المرء : من أين تأتي قوة الإنسان التي يختار بها طريقه ويسعى بها فيه ؟ .
الحقيقية أن قوة الاختيار ، وقوة السعي هي من عند الله ، فحتى العصاة يستمدون قوتهم من الله ، فليس عطاء الله ممنوعا عن أحد في الدنيا ، وهذا منتهى الحرية الممنوحة للبشر .
[ 21 ] ( انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) فإذا كان الفرق بين إنسان وآخر في الدنيا الأموال الكثيرة ، والرفاه الواسع ، فإن هذه الفواصل في الآخرة تكون أكبر بكثير ، والمسافة بينهما أعرض ، فترى إنسانا مؤمنا يخرج من قبره في يوم القيامة ، فيجتاز الصراط بسرعة إلى الجنة ، وهناك مؤمن ينتظر خمسين ألف سنة في صحراء القيامة حتى يصل دوره للحساب ، بينما نجد جارهما المنافق أو الكافر يلقى في نار جهنم مذموما مدحورا .
من هدى القرآن — صفحة 427
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٢٧