[ 11 ] ( وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ) الخطأ الكبير الذي يرتكبه الإنسان دائما هو أنه يحسب الشر خيرا ، والسؤال : أوليس له عقل يميز بين الخير والشر ؟ بلى له عقل ولكنه عادة ما يكون محجوبا بأهوائه ومصالحه التي يستعجل بها ، فيقدم على الكبائر من الذنوب ظنا منه بأنها خير بمجرد أنها توفر له بعض اللذات الآنية ، ولا يثور على السلطان الجائر خشية فقدان بعض المصالح العاجلة .
( وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا ) وهذه الطبيعة هي التي تجعل الإنسان يتوهم بأن عصفورة في الحاضر خير من عشرة في المستقبل ، فيتقرب إلى الدنيا لأنها عاجلة وإن كانت شرا ، غافلا عن أن
( كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلَاتٍ )
« 1 » بينما يتنازل عن الآخرة ويحيد عن طريقها .
وقوله تعالى : ( وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا ) تعليل لقوله ( وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ) ذلك لأن الخير بحاجة إلى صبر . والمسؤولية لا تنمو في قلب عجول ، وإنما في قلب مطمئن صبور ، ولعل الآية الكريمة تذكر أيضا بأن تأخر الجزاء عن وقت العمل قد يغري الإنسان الغافل بارتكاب الجرائم لأن الإنسان كان عجولا .
والعجلة من ذات الإنسان ، حيث أنها نابعة من الجهل بالمستقبل ، والاحتجاب عن غيب الزمن ، بينما الصبر وليد العقل ، والعلم بالنتائج المستقبلية ، ومعلوم أن ذات الإنسان جهل ، والعلم من الله ، وهكذا تكون الآية منتظمة إلى سياق الآيات التي تذكرنا بالمسؤولية .
المسؤولية وعامل الزمن
[ 12 ] ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ) فالليل وما فيه من سكون وهدوء آية من آيات الله ، وكذلك النهار وما فيه من تحرك ونشاط آية أيضا .
( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) أي جعلنا الليل سكنا وهدوءا - وكأن الليل آية ممحاة - ذلك لان الليل لمن ينامه قصير ، أما النهار فآيته مبصرة لأنه عامر بالنشاط والتحرك من أجل الحصول على الرزق .
( لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) تعاقب الليل والنهار مبدأ للحساب الزمني - هذا هو ظاهر الآية - أما المغزى منها فهو : أن حركة الزمان تدعو الإنسان إلى تحمل مسؤوليته في الدنيا ، وإدراك حقيقة نفسه ، فالإنسان الذي يجمد فكره فلا يتحرك فإنه لا ينتج شيئا سوى العبث وضياع الوقت ، وقال الإمام الحسين عليه السلام :
( يَا بْنَ آدَمَ
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : حكمة : 171 .