( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) فلا يستطيع أحد أن يهدي أحداً إلا إذا أراد الآخر أن يهتدي بهداه ، كما لا يستطيع أحد إضلال الآخر إلا إذا أراد هذا أن يضل بضلالته ، ولكن القرآن ينفي ذلك ويقول : إن لكل عمله . ولا أحد يقدر على تحمل وزر عملك .
والآية هنا تقول : ( وَازِرَةٌ ) وهي اسم فاعل للمؤنث ، كناية عن النفس البشرية ، وهنا تتبين العلاقة بين النفس والمسؤولية العملية للإنسان .
( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) إن التاريخ يحدثنا بأن العذاب لم ينزل على أمة ما إلا من بعد أن يرسل الله إليهم هاديا ينذرهم ، ويبلغهم رسالات ربهم .
كلمة ( رَسُولًا ) عامة تشمل كل من حمل رسالة التوحيد بصورة مباشرة كرسول الله صلى الله عليه وآله أو غير مباشرة مثل الأئمة المعصومين عليهم السلام أو الفقهاء المجتهدين ، أو الرساليين والمجاهدين .
كيف تنهار الأمم ؟
[ 16 ] ودليل مسؤولية البشر ، هو جزاؤه في الدنيا على سيئات عمله ، فينبغي أن نقيس الآخرة بالدنيا ، ودليل رحمة الله وحكمته ، أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا ، إنه سبحانه لم يهلك قرية إلا بعد أن أتم حجته عليهم بالرسل ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) .
يربط القرآن الحكيم في هذا السياق بين الإسراف وهلاك القرى ، ولكن بماذا أمر الله المترفين ؟
المأمور به هنا محذوف وهو معطوف على قوله تعالى : ( حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) فالله سبحانه وتعالى يأمر الناس بالهدى والخير والتقوى ، ولكنهم حين لا يعملون بها بل يفسقون عنها ، ويحاربون الله ورسوله ، فماذا يحدث آنئذ ؟ .
( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) أي تحققت عليهم المسؤولية وأصبحت لله الحجة البالغة عليهم ، فدمرهم بسبب تركهم لها تدميرا ، ولعل الآية تشير إلى حقيقة تاريخية هامة هي : إن الله سبحانه يبعث الرسل عادة على القرى التي ينتشر فيها الفساد . ويتسلط عليها المترفون ، وذلك لكي يرتدعوا ، ولا يستمروا في رحلة الفناء حتى النهاية ، وعادة لا يتوبون فيحق عليهم العذاب ، وربما تشير الآية أيضا إلى الدورات الحضارية في التاريخ .
[ 17 ] ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) فإذا