إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ فَإِذَا مَضَى يَوْمٌ فَقَدْ مَضَى بَعْضُكَ )
« 1 » ، فالذي يعرف أن للزمان قيمة ( يحاسب نفسه على الساعات والدقائق ) يتقدم لأنه يعلم أن
( مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً )
« 2 » .
( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) فالأيام لها حسابها ، واليوم يختلف عن الغد ، وهذا الشهر يختلف عن الآخر ، وإن كانت كلها لله ، وقد فصل الله لنا بيان حقيقة الزمان ، والتقدير لكي نتذكر ونعي واقع أنفسنا ، والله الذي دبر شؤون الليل والنهار والقمر والشمس ، وقدرهما بالسنين والحساب ، جعل للإنسان أيضا كتابا وحسابا ، فما من عمل يقوم به أو خطوة يخطوها ، أو فكرة تجول في ضميره إلا وتسجل في كتابه ، ويحاسب عليها يوم القيامة .
[ 13 ] ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) وهذه الآية دعوة ضمنية إلى تحمل المسؤولية لأنها تذكر الإنسان بمسؤوليته عن عمله والذي يترتب عليه جزاؤه في الحاضر والمستقبل .
( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً ) فللإنسان كتاب عند الله ، فيه تفصيل ما عمله في دنياه . ينشره له يوم القيامة ليقرأه .
[ 14 ] ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) الإنسان يعترف بأعماله ، ويحكم نفسه بنفسه ، فلا حاجة إلى محكمة تقضي عليه ، ولا إلى شهود يثبتون عليه جرائمه ، بالرغم من وجود تلك المحكمة وأولئك الشهود .
وبعد ذلك يوضح لنا ربنا بعدا آخر من أبعاد المسؤولية وهي مسؤولية الإنسان عن هداه وضلالته كمسؤوليته عن سعيه وعمله ، إذ يقول تعالى :
[ 15 ] ( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) وكثيرا ما ترى أناسا يضلون ، فيلقون اللوم على عاتق الآخرين كأن يقول : لم يكن هناك من يهديني ، أو أن الحكومة ضللتني ، أو أن البيئة الثقافية والتربوية لم تكن مساعدة لي على الهداية . كلا . . إن الله أعطى لكل إنسان قدرة الكشف والاهتداء ، ووفر له فرصة الهداية ، وإنما يتبع البشر هواه لأنه أسهل له وأقرب إلى طبيعته الجاهلية العجولة .
ومثلما هو مسؤول عن ضلالته ، فهو مسؤول عن أعماله ، وحرام أن يلقي اللائمة على الآخرين .
هامش
( 1 ) إرشاد القلوب : ج 1 ، ص 40 .
( 2 ) غرر الحكم : حكمة : 3027 .