من ذلك الطوفان العظيم أن يشكروا ربهم ، وهو بعدئذ من عليهم بكتاب فيه هدى يحمله إليهم نبي عظيم وهو موسى عليه السلام الذي قادهم بإذن الله من نصر إلى نصر .
فلو أنهم شكروا نعمة الرسالة ، ونفذوا تعاليمها ، فقد أحسنوا لأنفسهم ، وكان هذا في الكتاب مسطورا كما بينته الآية التالية .
الظالم سيف الله
[ 4 ] ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ ) لقد أنبأ كتاب التوراة بني إسرائيل بقضاء الله الذي سوف يتحقق ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ) علو بني إسرائيل يشبه علو فرعون الذي يقول عنه ربنا : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ) [ القصص : 4 ] .
والعلو هو حالة الغرور بالذات ، والاستكبار على الحق ، والاستعلاء على الآخرين . .
[ 5 ] ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا ) يعني حان وقت الفساد الأول ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) البأس : الشدة والغلظة وهي كلمة تستخدم عادة عند الحديث عن الحرب .
ولكن من هم هؤلاء العباد ؟ هل يصدق هذا على بخت نصر ، هكذا قال البعض فلقد كان ملكا على بابل في العراق ، فقاد جيشه نحو فلسطين ، فأنهى حضارة اليهود ، وهدم الهيكل ، وقتل سبعين ألفا منهم ، وسبى الآلاف ، ثم تأججت الحروب بين بابل وبلاد فارس ، والتي كان يرأسها كورش الأول ، فانتصر الأخير وحرر المستعبدين من بني إسرائيل ، وأعادهم إلى فلسطين ، وسمح لهم ببناء الهيكل ، وحينما رأى اليهود ذلك علو في الأرض ثانية وأفسدوا فيها .
ولو كان هذا المقصود فهل يمكن أن يسمي القرآن السفاكين كبخت نصر ( عِبَاداً لَنَا ) ؟ .
بلى ، إذ الصالح والفاسد كلاهما عبدان لله ، وقد يكون الظالم وسيلة انتقام الرب من العصاة كما قال ربنا : ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [ الأنعام : 129 ] .
( فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ ) وجاس من التجسس أي دخل بخت نصر وجماعته أعماق البلاد ، وتجسسوا عن أحوالها .
( وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولًا ) فحينما ينزل البلاء قد لا يدفعه الدعاء ، ولا الأمر بالمعروف أو