تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وبين من يعمل بذلك العلم ، فليس كل عالم عامل ، وهكذا يوجد فرق بين من يعرف الحقائق الروحية والنفسية وبين من يربي نفسه عليها ، فأغلب الناس عالمون غير عاملين ، وقليل من العاملين يربون أنفسهم على الأخلاق الفاضلة . فقد تعرف الشكر خلال لحظات وتعرف حقيقته ، ولكن إذا أردت أن تحول هذه الحقيقة إلى سلوك فتكون من الشاكرين فإن ذلك ليس بالأمر الهين ، والمسافة بينهما مقدار الإرادة .

معرفة الذات منطلق الشكر

إن الشكر عند الإنسان يتجسد تبعا لأحد موقفين من الطبيعة حوله : الأول : أن يعتقد بأنه موجود متكامل بالأصل ، وأنه يملك بذاته الجوارح ، والجوانح ، والعقل ، والعلم ، والسعادة ، والرقي ، فليس بحاجة إلى أن يشكر أحدا . الثاني : أن يعتقد بأنه كان قطرة من ماء مهين فصار إنسانا ، ثم أعطاه الله الجوارح والنعم وهي ليست ملكا ذاتيا له ، وإنما وهبها الله له فتنة ، فإن شكره عليها زاده منها ، وإن كفر فإنه سيعذبه عذابا شديدا ، يقول تعالى ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) [ إبراهيم : 7 ] . وهكذا فإن كل نعمة تستحق الشكر الجزيل والثناء الجميل ، فبالعين ترى الأشياء ، وبالأذن تسمع ، والقلب ينبض بانتظام لتبقى حيا بإذن الله ، وما على الإنسان إلا أن يستفيد من كل ما قدره الله له ، فلا يعمل إلا صالحا ، ولا ينظر إلى ما حرمه الله ، ولا يسمع إلا الكلام الطيب . وهذا هو معنى الشكر . الكثير من الناس بدل أن تكون النعم عاملا يؤكد فيهم صفة الشكر ، والتواضع للذي من عليهم بها وهو الله ، بدل ذلك يتكبرون لأنهم يشعرون بالكمال ، فيقدسون ذواتهم ، ويقولون : إنما أوتيناه على علم عندنا كما فعل قارون ، أما المؤمنون فإنهم يزدادون إيمانا وشكرا لله . وفي حديث عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يغيب عن فراشه ويتوجه إلى البقيع ، فيتعبد ويبكي ويتضرع فتقول له عائشة : يا رسول الله أَوَلَمْ يغفر لك ربك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : نعم . فتقول له : فلماذا تتعب نفسك ؟ فيقول : ( أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً ) « 1 » . هكذا كان نوح عبدا شكورا ، وهكذا يأمر الله بني إسرائيل الذين أنقذ آباؤهم مع نوح
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 95 .