يضله لا هادي له ولا ولي ، وأنه يحشر أعمى وأبكم وأصم ، وأن عاقبته جهنم التي يستمر سعيرها جزاءً على ما عملوا .
بعد كل ذلك ، يستنطق وجدانهم ويقول : أليس الله الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ، وإنما لا يؤاخذهم بالعذاب لأنه قدر لهم أجلًا لا ريب فيه ولكنهم لا يستغلون هذه الفرصة .
ولأن الإنسان كفور بطبعه ، وبخيل قتور ، فهو بحاجة إلى هادٍ ومربٍّ ، وهو الرسول الذي يأتيه بالقرآن شفاء لما في الصدور .
ولم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله بدعاً من الرسل ، فهذه رسالة الله تتنزل على النبي موسى ، والله سبحانه يؤتيه تسع آيات بينات فتحداه فرعون واتهمه بأنه مسحور ، وبيّن له النبي موسى أنها بصائر من الله وأن فرعون مبتور .
وكما جرى لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله جرى لرسول الله موسى عليه السلام ، حيث أراد فرعون أن يستفز الرسول من الأرض فأغرقه الله ومن معه جميعاً ، وأورث الله الأرض لبني إسرائيل من بعده إلى أجل معدود .
هذا مثل لشهادة الله على صدق رسالاته ، ومثل لمكر الشيطان وكيده ، ومثل لنصرة الله عباده ، وأن الحق منتصر ، وأن الباطل كان زهوقاً .
ولقد جاء القرآن بالحق ، وما على الرسول إلا إبلاغه ، وإنما فرقه الله على أنجم ليثبت به فؤاد رسوله .
هكذا ابتدأت ( الآيات : 105 - 111 ) ، وهي تشير إلى مسألة تفريق القرآن وتنزله عبر سنين البعثة ، وتؤكد أن للقرآن أصحاباً يؤمنون به وأنهم يخرون للأذقان سجداً كلما تليت عليهم آياته ، ويزدادون إيماناً بوعد الله ، ويسجدون ويزيدهم القرآن خشوعاً لربهم .
وهذه هي صفات المؤمنين بالقرآن ، وهم عباد الله الذين لا سلطان لإبليس عليهم .
ومن صفاتم أنهم يدعون الله - كما أمرهم - بأسمائه الحسنى ، وأنهم لا يجهرون بصلاتهم ( رياءً ) ، ولا يخافتون بها ( خوفاً ) ، إنما يبتغون بين ذلك سبيلًا ( لأن مشيهم الهون ، وسيرتهم الاقتصاد ، وأمتهم وسط ) .
وتختم سورة الإسراء بحمد الله الذي لا ولد له ولا شريك له ولا ولي له من الذل ، كما ابتدأت بحمد الله وتسبيحه .
من هدى القرآن — صفحة 400
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٠