( الرحيم ) ابتدأت السورة بالتسبيح ، والتسبيح يدل على التنزيه والتقديس ، ومادتها من ( سبح ) أي نزه ، ومعنى ذلك أن نبعد الله عن أي نقص أو عجز أو حد .
إن العقل البشري لا يستطيع أن يدرك إلا الأمور القريبة من ذهنه أو المتعارفة في الطبيعة ، ولكنه يعجز عن إدراك ما وراء ذلك ، ولو أراد الإنسان أن يتصور الله لتصوره في حدود مفاهيمه ومعارفه . حيث أن بعضهم قال : ( إنه تعالى - ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ ) [ الإسراء : 43 ] - على صورة إنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت ، وهو نور ساطع يتلألأ ، وله حواس خمس ) « 1 » .
والتاريخ يدلنا على : أن الأمم الكافرة والمشركة ، إنما تصورت الله في حدود معارفها ، فالأمة التي كانت بحاجة إلى الزراعة والرعي كانت تقدس الماء أو البقر أو كليهما باعتبارهما آلهة .
والأمة التي كانت بحاجة إلى الأنواء والنجوم لتهتدي بها في السفر ، كانت تتصور الله نجما أو قمرا أو شمسا ، اما الأمة التي كانت تعيش ضمن القبيلة والتقاليد الموروثة ، فإنها كانت تقدس الجد الأكبر لها ، وبالتالي فإنهم كانوا يتصورون الله شيخا كبيرا ذا لحية بيضاء .
وقد جاء في بعض الكتب الحديثة التي انطلقت من الغرور العلمي ، أحاديث مسهبة خلاصتها : ( انه لما كان الله موجودا في كل مكان وليس له صوت ولا صورة فهو إذا الجاذبية ) .
وقال بعضهم بأن الله هو الوجود ، وروي عن الإمام الباقر عليه السلام :
( وَلَعَلَّ النَّمْلَ الصِّغَارَ تَتَوَهَّمُ أَنَّ لله تَعَالَى زَبَانِيَتَين « 2 » فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَالُها ، وَيَتَوَهَّمُ أَنَّ عَدَمَهَا نُقْصَانٌ لِمَنْ لَا يَتَّصِفُ بِهِمَا )
« 3 » .
ومن أجل أن يقطع الإنسان على نفسه الدخول في هذه الدائرة عليه أن يقول : ( سبحان الله ) فينزهه لأنه اجل من أن يتصور ، وفي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام يقول حين سأله ابن أبي نجران عن التوحيد : ( أَتَوَهَّمُ شَيْئاً ؟ فَقَالَ عليه السلام :
نَعَمْ غَيْرَ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ فَمَا وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ خِلَافُهُ ، لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَلَا تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ ، كَيْفَ تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ ، وَخِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الأَوْهَامِ ، إِنَّمَا يُتَوَهَّمُ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ )
« 4 » .
وبالتالي فان كل ما نتصوره مخلوق مردود إلينا ، والشيء الوحيد الذي يمكن أن نقوله
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ص 289 نقلًا عن بعض الجهلة .
( 2 ) زبانيا النمل أو العقرب قرناها .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 66 ص 293 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ص 82 .