والآية تشير إلى حقيقة وهي أن اتخاذ الأيمان مدخلًا للعلو عاقبته في نهاية الأمر هو زلل القدم عن موقعها المكتسب بعد ثبوتها فيه ، إذ سرعان ما ينكشف الزيف في تدافع الأيام .
( وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) وسبيل الله هو كل خير ، وكل تقدم وعمران ورفاه للناس ، ومنع الناس عن سبيل الله . وصدهم عنه قد يكون بإغلاق طرق التعاون واليمين من أفضلها ، إذ لا شيء من القوانين والوثائق والضمانات والرهون بسهولة اليمين ولا بقوته في إشاعة الثقة والتعاون ( وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .
[ 95 ] وكما اليمين العهد الذي يشتري به البعض ثمنا قليلا ، وإن كانت قيمة الثمن الذي يقبضه الفرد بيع شرفه وعهده وإيمانه فإنها ستكون قليلة ، لأنها تسقط هيبة العهد فيسد باب كبير للرحمة .
( وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) فمن يبدل رحمة الله ببضع دراهم يكسبها من نكث العهد أو بسلطة زائلة أو ما أشبه ؟ ! .
وكأنما الآية تحكي حال بعض الطالبين للعلو من أجل خدمة الدين ولو ظاهراً لكن الالتواء في نهاية المطاف يجعل هذا العلو للصد عن سبيل الله . فالبحث عن المكاسب السريعة على حساب القيم لن يكون في سبيل الله مطلقاً ، ولن ينفع مرتاديه .
خلود الجزاء
[ 96 ] علما بأن ما عند الله من خير يبقى ببقاء الله سبحانه ، بينما حطام الدنيا يزول بزوال العوامل التي أنشأته ( مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ) إن الحق الذي يضمن الله ثباته ، أبقى من الباطل الذي يضمنه غرور الإنسان ، وخداع الشيطان ، لقد خلق الله السماوات والأرض بالحق ، فلذلك تخدم حركة الكون سلطة الحق ، بينما الباطل يجري في عكس حركة الطبيعة والتاريخ .
فطرة الإنسان حق ، لأن القوانين النفسية والجسمية والاجتماعية السائدة على أبعاد حياة البشر لا تتغير منذ خلق الله آدم وإلى الأبد ، فإذا كانت فطرة الإنسان قائمة على أساس الوفاء بالعهد ، فإن المجتمع القائم على أساس شرف العهد يكون أبقى ، وخير الله أكثر مما يحصل عليه بعض الأفراد بسبب الغدر والمكر .
إلا أن الحق بحاجة إلى الزمن حتى يظهر ، ولذلك فإنا بحاجة إلى الصبر حتى يخدمنا