بينما البغي هو تجاوز حقوق الناس بصورة علنية ، أو عن طريق الغش والخداع و . . و . . .
( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) إنها حقائق فطر قلب البشر عليها وهو بحاجة إلى من يذكره ويعظه بها . ومن هنا فإن الإيمان بهذا الدين العظيم لا يتطلب سوى إعادة الناس إلى وجدانهم واستنارة فطرتهم ، فإنهم إلا القليل سيرون أنه دين الحق . إن هذا الدين لا يتطلب الكثير من التفلسف في دعوة الناس ، نعم الجدل العميق ينفع في دفع شبهات الضالين .
الوفاء لا النقض
[ 91 ] المجتمع الذي يمتلك أساسا لعلاقاته ، وركيزة يعود إليها عند الضرورة ، يستطيع أن يتبادل بسهولة ، والمجتمع الإسلامي قائم على أساس الالتزام بالعهد واليمين ، اللذين يؤكدان اسم الله .
( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ) فلأن أبناء المجتمع يتمسكون بقيمة التوحيد ، ولأنهم لا يضحون بأيمانهم ابتغاء عرض الحياة الدنيا ، فإنهم يعتمدون على بعضهم في أمورهم الاقتصادية ، وحتى في شؤونهم السياسية .
إن الثقة المتبادلة هي أعظم رصيد يملكه المجتمع المسلم في معاملته مع بعضه ، ذلك لأن شرف التوحيد يأبى لهم أن يغدروا ببعضهم وهم يؤمنون برعاية الله عليهم ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) .
[ 92 ] تروي قصص العرب أن امرأة قرشية خرقاء كانت تغزل هي وجواريها عرض النهار ، فإذا أمسى نقضت الغزل ، وتركته كحالته السابقة أنكاثا ، لا فتل فيه ولا إبرام ، فنهى القرآن الحكيم أن نكون مثلها ، نتعب أنفسنا في أمر الدين حتى إذا أحكمناه عدنا ننقضه بنكث العهد ونقض القسم ( وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ) أي مثل ( ريطة بنت كعب ) خرقاء مكة التي غزلت بقوة ، ثم نقضت من بعد قوة .
( أَنكَاثاً ) جاء في ( المجمع ) : ( وكل شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث ، حبلا كان أو غزلا ) « 1 » .
( تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ) أي تستخدمون اليمين وسيلة للغدر ، والدخل
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 6 ص 494 .