كما هو الأقرب إلى أصل معنى الشجر وهو ظهور الشيء أو اختلاطه ببعضه .
( فِيهِ تُسِيمُونَ ) الكلمة مأخوذة من الأسامة ، وهي الرعي يقال أسمت الإبل أي رعيتها . وقال بعض المفسرين إن الآية : ( تدل على ماء الشرب إنما هو من السماء فقط ) . وهو كذلك واقعاً .
[ 11 ] والماء الواحد يهبط على الأرض الواحدة ، فإذا بها تنبت به ألوانا مفيدة من الثمرات ( يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ ) وأكثر طعام البشرية من الحنطة والحبوب والخضراوات وبالتالي من الزرع ( وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ ) وهي الثمرات الأكثر نفعا للجسم البشري ، والأكثر انتشارا في مختلف الأقاليم ( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) ، يوفر الله لكل أرض ما يناسبها ، ويناسب حاجة أهلها ، ففي ثمرة كل أرض المواد الأشد ضرورة بالنسبة إلى سكان تلك الأرض ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .
مراحل العلم وهدف الأنعام
[ 12 ] تختم هذه الآيات بالكلمات التالية : ( يَتَفَكَّرُونَ - يَعْقِلُونَ - يَذَّكَّرُونَ - وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - تَهْتَدُونَ ) فما هي العلاقة بينها ؟ ولماذا جاءت متدرجة . علما بأن التدبر في نهايات الآيات يفهمنا معاني الآيات ولربما أعطانا علما جديدا ؟ يبدو أن مراحل تكون العلم عند الإنسان هي التالية :
ألف : مرحلة جمع الحوادث وربطها ببعضها والتعرف على علاقتها الثابتة ببعضها ، والحصول منها - بالتالي - على قانون عام يحكمها ، وهذا يحصل عن طريق التفكر ، لأن التفكر - حسبما يبدو لي - هو تقليب المعلومات وخلطها وإعادة فرزها جاء في المنجد ( الفكر جمعه أفكار : تردد الخاطر بالتأمل والتدبر بطلب المعاني ) .
والآية الماضية ربطت الحوادث الظاهرة ( هطول الأمطار ، واخضرار الأرض واختلاف الثمرات ) ببعضها ، وجعلتها جميعا آية الخلق عن طريق التفكر ، فقال ربنا : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) لأنه بسبب تقليب المعلومات نحصل على أنها آية الله .
باء : مرحلة تخزين التجارب والاستفادة منها في فهم الحوادث الجديدة ، ويبدو أن هذه العملية تسمى بالعقل - حسبما تدل عليه الكلمة - إذ أن أصل العقل مستوحى من العقال ، وهو الذي يحفظ الناقة ، وجاء في الحديث :
( العَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ )
« 1 » .
هامش
( 1 ) غرر الحكم : حكمة : 10140 .