وربطت هذه الآية بين العقل وبين التعرف على سر تسخير الطبيعة للبشر ، لأن فهم هذه الحقيقة صعب وبحاجة إلى تجارب مختزنة أكبر . يقول ربنا : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) فاختلاف سنن الله في الليل من الظلام والسكون ، وركون الطبيعة إلى الراحة . اختلافها عن النهار وما فيه من الضوء والضوضاء ، والنشاط في السعي كل ذلك جاء لمصلحة البشر ، كما سخر الله الشمس والقمر ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ) ، وقد لا تكون النجوم جميعا مسخرات للبشر إلا أنها تنفع البشر ، وترتبط بتسخير الشمس والقمر ، آيتي النهار والليل .
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) فعن طريق تخزين التجارب والاستفادة منها سوف يبلغ البشر درجة من العلم تؤهله لمعرفة سر الطبيعة ، وأن كل شيء فيها قد نظم لمصلحة البشر ، وأن عليه أن يستفيد منها لحياته ، ولكن لا يزال أمامنا مسافة حتى نصل إلى ذروة العلم ما هي تلك المسافة ؟ إنها التذكر .
[ 13 ] بعد العقل يأتي دور التذكر وهو المرحلة المتقدمة في مسيرة المعرفة .
جيم : وهي مرحلة استيعاب التجارب من أجل العمل ، فكيف نستفيد من الطبيعة المسخرة لنا ؟ هل كل شيء فيها صالح في كل وقت ولكل شخص ؟ كلا . . إذ أن حقيقة الأشياء مختلفة ، وكل شيء نافع لوقت ولشخص ، بالرغم من أنها جميعا خلقت للبشر .
( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ ) ما أظهره الله في الأرض وما أنشأه وفطره من أجلكم ولمنفعتكم ، ( مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ) .
[ 14 ] والله سخر الطبيعة للإنسان ، ولكن على الإنسان أن يسعى هو بدوره من أجل إنجاز هذا التسخير في بعض الأحيان ، فليس النعم تأتي دائما كما السماء ، بل قد تحتاج إلى معالجة جادة وإلى المخاطرة كالصيد في البحر . والسفر عبره للتجارة .
( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) فالبحر مثل مخزن كبير لأفضل أنواع اللحوم تحصل عليها فيه بأقل جهد وكذلك للحلى .
( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ) المخر : شق الماء عن يمين وشمال . ويحدث هذا الشق صوتا يشبه صوت العاصفة ، وهنا يذكرنا القرآن بمرحلة رابعة للعلم هي :
دال : مرحلة الاستفادة العملية من العلم ، تلك التي نسميها اليوم التقنية ، وربما يسميها
من هدى القرآن — صفحة 313
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١٣