[ 62 ] فلما رآهم وقد جاؤوا إليه بهيئة شباب عليهم مسحة من الجمال والجلال فسألهم بعد أن استضافهم ( قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) فلستم من أهل المنطقة ، ولكي لا يمسهم قومه بسوء لذلك أجارهم على عادة القوانين الشائعة في قومه التي ينبغي أن يأخذ المؤمن الرسالي بأفضلها وأنفعها .
[ 63 ] أفصحوا عن أنفسهم وبينوا أنهم ملائكة الله ، وقد جاؤوا بالعذاب الذي شكك قومه فيه أنفسهم طويلا . فها هو العذاب يأتيهم ( قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ) .
[ 64 ] وكانت المفاجأة ، وارتسمت على وجه لوط علائم الاستغراب وعاد الملائكة يؤكدون على أن ميعاد العذاب قد حان اليوم بلا شك ( وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) .
[ 65 ] ثم أمروه بالرحيل ، وهجرة الصالحين ، ونزول العذاب على الآخرين وكانت الهجرة سرية ربما خوفا من منع الناس لهم ، وكان المفروض على لوط أن يسير خلفهم ويشهد تحركهم لكي لا يبقى أحد منهم .
( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ ) يبدو أن لوطاً أثر فقط في أهله بينما بقي الآخرون على فسادهم ( وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ ) أي اقتفي أثرهم ولأن الهجرة كانت صعبة لذلك جاءهم الأمر ، ( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) أي لا ينظر إلى ما وراءه ، ( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ) واستمروا من دون تردد أو تراجع ، وهكذا ينبغي أن يهاجر الرسالي قومه بعد يأسه منهم دون شفقة عليهم أو حنان ، أو ميل إلى ما يخلفه فيهم من مال أو أقارب .
[ 66 ] وقضى الله ، واخبر لوطا بقضائه بذلك الأمر الخطير ، وهو الحكم بالإعدام الكامل لسلالة تلك العشيرة الفاسدة ( وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) فلا أحد يبقى منهم ليستمر نسلهم فيه حتى زوجة لوط التي كانت منهم هلكت معهم حيث حنت على قومها ، والتفت إلى ما ورائها من أهل ومتاع . وهكذا تجسد الحق في انتقام شديد من قوم فسدوا ولم ينفعهم الإصلاح شيئا .
[ 67 ] هذه صورة من المشهد ، أما الصورة الثانية فإن أهل المدينة استبشروا بالضيوف ، لأنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر عليهم ، وكان موقعهم الجغرافي يساعد على هذه الفعلة حيث كانوا على الطريق الرئيسي الذي يربط المدينة بالشام « 1 » .
( وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ )
هامش
( 1 ) راجع علل الشرائع للشيخ الصدوق : ج 2 ص 548 عن الإمام الباقر عليه السلام .