[ 36 ] ولأن أقوى أسلحة الجبت ، وعبادة الأصنام هو الإحساس القوي عند الفرد بضرورة التوافق الاجتماعي ، فإن إبراهيم عليه السلام أكد أن الأصنام قد أضللن كثيراً من الناس ، لكي يعرف الإنسان أن اتباع الناس يعني الضلالة في الأغلب فيتحصن ضد غرور الكثرة .
( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ ) إن الأصنام تتجسد في قوى اجتماعية ثقافية ، أو اجتماعية وسياسية ، وربما لذلك نسب الضلالة إليهن ، وجاءت بصيغة الجمع فلم يقل أضلت بينما كان ذلك الأنسب إلى غير ذوي العقول ، لو كانت الأصنام هذه الأحجار والأخشاب المعبودة .
ومن جهة ثانية : لأن قريشا خدعوا ضمائرهم حين استسلموا لضغوط الأصنام ، وبرروا موقفهم المتخاذل من التوحيد بأنهم أولاد إبراهيم عليه السلام فلا ضير عليهم ، كما فعلت بنوا إسرائيل مثل ذلك ، لذلك أكد إبراهيم عليه السلام براءته منهم .
( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ربما لم يقل إبراهيم عليه السلام ومن عصاني فإن عذابك شديد لكي يتجنب الذاتية في تعبيره فلا يضمن تعبيره أنه هو سبب العذاب .
دعوة إبراهيم لأبنائه
[ 37 ] إبراهيم عليه السلام رجل الرسالة ، الذي قضى عمره يجاهد من أجل التوحيد ، فلم يستجب له إلا قليل ، فرزقه الله أولياء يرثون دعوته ، بعد أن بلغ من الكبر عتيا ، وها هو يؤمر أن يسكن بعض ذريته في صحراء قاحلة فيستجيب لربه شاكرا ، وهدفه من الذرية لم يكن سوى أن يحملوا مشعل التوحيد من بعده ، ولذلك يطلب من ربه بالنسبة إلى ذريته أمرين :
أولًا : إن تهوي إليهم أفئدة من الناس ، وبسبب حب الناس لهم يستمعون إلى تعاليم ربهم .
ثانياً : إن يكفيهم الله أمور الدنيا ، فيرزقهم من الثمرات حتى لا ينشغلوا بطلب الدنيا عن تبليغ الرسالة .
( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) وترك بأمر الله هاجر وابنها الرضيع إسماعيل في أرض مكة ، وكانت قفرا ذلك اليوم بسبب جدبها .
( رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) وهذا يدل على أن