من الناس حتى فقدت الكثرة العددية شرعيتها ، وبقي المقياس هو الحق ، واتباع الرسل ، فمن تبع إبراهيم عليه السلام فهو منه ، أما من عصاه فإن رحمة الله فقط وليس انتماؤه النسبي إلى إبراهيم سوف ينقذه بإذن الله .
وبعد أن استعرض إبراهيم عليه السلام طاعته لله ، حين اسكن بعض ذريته في صحراء الحجاز حيث لا زرع ولا ضرع ، دعا ربه بأن يوفقهم لأداء الصلاة على وجهها ، وأن يجعلهم قبلة القلوب ، وأن يرزقهم من الثمرات ، كل ذلك بهدف أن يشكروا ربهم ، فيستخدموا النعم لراحة الجسد ، وأمواج الروح ، وأن يجعلوا لله الشاهد عليهم لأنه يعلم ما يخفون وما يظهرون ، ولا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء .
وقد استجاب له ذلك ، أوليس هو الذي رزقه على الكبر إسماعيل وإسحاق ، فإنه إذن سميع الدعاء ، ولكي يكون شاكرا فعليه أن يقيم الصلاة ، وأن يدعو لأولاده بذلك ، وأن يستغفر الله لنفسه ولوالديه وللمؤمنين ، حتى تكون آصرته الإيمانية وليس الأسرية أقوى شيء ، وأن يخشى الحساب .
هذا إبراهيم قدوة الشاكرين ، أفلا نكون مثله ؟ .
بينات من الآيات :
الاستقلال الفكري
[ 35 ] طيلة حوالي أربع وستين قرنا من الزمان - حسب بعض التقادير - كانت مكة بلدا آمنا بدعاء ذلك الشيخ الذي تجرد عن ذاته ، وعن علاقاته النسبية ، وترك فلذة كبده إسماعيل وأمه في تلك الأرض القاحلة بهدف إقامة بيت الله ، يظلله السلام أمام هجمات الشياطين المادية والثقافية .
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) إن أسوأ أنواع العبودية لا ريب هي السيطرة العسكرية وهي ما دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يأمن أهل مكة منها ، وقد استجاب له ربه دعاءه ، وأبرز مظاهره ذلك هلاك أصحاب الفيل ، حيث حمى ربنا البلد الحرام من الاحتلال العسكري ، وهو ما يسميه بالطاغوت .
ولكن أصنام العبودية الثقافية ، أو التبعية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أخفى خطرا ، ولم يستجب فيها ربنا دعاء إبراهيم عليه السلام ، إذ يتنافى وما قدر الله من حرية البشر في الدنيا .