ونشره في كل جهة ، من الذي جعل في الأرض الأملاح والخصوبة والبذور لتتحول الأمطار فيها إلى ثمرات مختلفة ؟ !
( وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) أو تزعم أن السفن تبحر في البحار بأمرك ، فلو أن الرياح ركدت أو أن الأمواج تصاعدت ، فهل جرت السفن حيث تشتهي ( وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ ) .
[ 33 ] والشمس التي هي أكبر من أرضنا بكثير ، والقمر الذي هو أصغر من أرضنا كل يجري في فلك ونظام بحيث تنتفع الحياة فوق كوكبنا بضوئهما وبجاذبيتهما وطريقة دورانهما ، من الذي سخرهما أفلا نشكره ؟ !
( وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) فعندما يعم الظلام الأرجاء تخلد إلى النوم براحة نفسية ، وعندما ينبعث ضياء النهار ، تنبعث حيوية وهمة .
[ 34 ] وبالرغم من أن طموحات البشر لا تتحقق عادة جميعها ، ولكن هناك تناسب بين هذه الطموحات وبين عطاء الله سبحانه ، فبقدر أملك في الله ، وسؤالك منه ينشر عليك نعمه .
( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) ففي ضيق الشدائد ، وعند المدلهمات تجد فرج الله وروحه ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) [ النمل : 62 ] ، وعندما تتعب سفينة أمالك ترسو على شاطئ رحمة الله الذي يقول لك : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي ) ( البقرة : 186 ) . وهناك تجد تحقيق أمالك وتخاطب ربك قائلا :
( إِلَهِي طُمُوحُ الآمَالِ قَدْ خَابَتْ إِلَّا لَدَيْكَ ومَعَاكِفُ الهِمَمِ قَدْ تَقَطَّعَتْ ( تعطلت ) إِلَّا عَلَيْكَ ومَذَاهِبُ العُقُولِ قَدْ سَمَتْ إِلَّا إِلَيْكَ فَإِلَيْكَ الرَّجَاءُ وإِلَيْكَ المُلْتَجَأُ )
« 1 » .
وأي نعمة تحصيها عددا ، أجل لو كانت الأشجار أقلاما ، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) إن كل خلية في بلايين الخلايا التي تشكل جسمي نعمة كبرى يعجز القلم عن الإحاطة بها ، فأي نعمة تحصيها وكيف ، ولكن أنت ترى الإنسان كيف يظلم نفسه بالكفر بنعم الله ( إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) فأكثر الناس يظلمون أنفسهم والآخرين بالنعم فيتخذون من نعمة اللسان وسيلة التشهير والبهتان ، ومن نعمة اليد أداة البطش والاعتداء ، ومن نعمة المال البخل والترف والاستعلاء ، ومن نعمة القوة القهر والظلم ، وهكذا يكفرون بنعم الله ، ولا يحققون بها أهدافها النبيلة ولو فعلوا لكان ذلك شكرا عمليا منهم .
هامش
( 1 ) مصباح الكفعمي : ص 53 ، من أدعية ليلة الجمعة .