( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) أي للأقوياء ممن استكبروا ، واعتبروا أنفسهم أكبر من الناس ( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) فهل هم ضامنون لعملهم ؟ وهنا ليس فقط يعترف المستكبرون بضلالتهم ، بل وبأن استكبارهم كان غلطة العمر بالنسبة إليهم ( قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ) فلا مجال للزحزحة عن عذاب الله .
[ 22 ] أما الشيطان الذي هو النداء الداخلي الذي يوسوس للقلب ، فيتبعه الإنسان ، وهو الذي دلى أبانا آدم بغرور فأخرجه من الجنة ، وهو بالتالي إبليس الذي تمرد على الله واستكبر ، وعزم على خداع البشر ، إنه هو الآخر أخلف وعده ، وكان من قبل يزعم أنه قوي ، وأنه سوف يغيث الذين يتبعونه ، فها هو يشمت بمن يتبعه ( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ) الذي له من العقل والعلم على صدقه شواهد وحجج .
( وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) ووعود الشيطان أماني وأحلام تتناسب وشهوات الفرد ، وهي تشبه التبريرات الثقافية التي ترتاح إليها النفوس الكسولة والأمم المتخلفة مثل انتظار المستقبل بلا سعي يصنعه ، وإلقاء المسؤولية على عاتق الزمن ، أو لا أقل على كاهل الآخرين أموات أو أحياء .
( وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) إن جذر التبريرات التي يلقيها الشيطان الرجيم في فؤاد الإنسان هو إشعاره بأنه مكره على أفعاله ، وأن قضاءً حتميا يفرض عليه هذا العمل أو ذاك وذلك بتهويل الأشياء والأحداث والأشخاص عنده ، وتصغير نفسه أمامها وتحجيم دور الإرادة عنده ، مثلا يقول له ، إن تغيير سيرة الآباء مستحيل ، أو إن تغيير الأوضاع السياسية أو الاقتصادية أمر لا نقدر عليه ، أو إن مخالفة هذا الحاكم وذلك المستكبر غير ممكنة ، أو يقول له : كيف تقوم الحطبة وقد عملت فيها السنون ما عملت ، وكيف تغير الزمان وقد أفسده السلطان ، وما أنت وماذا عسى أن تفعل .
وفي يوم القيامة يعترف الشيطان ، بأنه كان خادعا في قوله هذا ، وأن إرادة الإنسان هي التي تصنع واقعه ، وأنه لا حول ولا قوة له ، فلا يغيث ولا يغاث ( مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ) فلا أنا أغيثكم ولا أنتم ( إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ ) وحقيقة الإشراك هو أن تعتقد أن أحدا أو شيئا غير الله إله لا يغلب . كلا . . بل كل شيء خاضع لله ، ولمن يتوكل .
من هدى القرآن — صفحة 243
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٣