دال : وبعد أن عالجوا المشكلة العقلية عندهم بتذكرتهم بفاطر السماوات والأرض وبأنه لا شك فيه لأنه وجداني . بعدئذ أخذوا يعالجون السبب الحقيقي لكفرهم وهو مشكلتهم النفسية ، وأثاروا فيهم حبهم لأنفسهم فقالوا : ربكم يدعوكم برسالاته لمصلحتكم ( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) .
ولنا أن نتساءل : لماذا لا يغفر ربنا كل الذنوب ؟ .
أولًا : إن بعض الذنوب يأتي بها العبد تكبرا وعنادا ، ففي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام :
( . . . إِذَا هَمَمْتَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تَفْعَلْهَا فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رُبَّمَا اطَّلَعَ عَلَى العَبْدِ وَهُوَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِيهِ فَيَقُولُ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَغْفِرُ لَكَ أَبَدا )
« 1 » .
ثانياً : إن بقاء بعض الذنوب سيف مسلط على غرور البشر ، وأمنه من كيد الله ، وعجبه بذاته لكي يبقيه أبدا بين الخوف والرجاء ( وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) ذلك لأن دعوة الأنبياء ليست من أجل إخلاد البشر في نعم الدنيا التي لا تبقى ، وهم لا يبقون لها ، بل من أجل توفير الفرصة له ليستمر إلى آخر أجله المحدد له سلفا ، وإلا تنزل عليه الكوارث فتبيده قبل حلول أجله .
( قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) وكيف نقبل بولايتكم علينا أم كيف يخصكم الله بالرسالة من دوننا ، وكان من ضعف ثقتهم بأنفسهم كبشر أنهم لم يصدقوا أنفسهم أن يبعث الله إليهم بشرا رسولا .
هاء : ثم قالوا إن تعاليمكم مخالفة لتقاليدنا التي ورثناها من آبائنا وتعودنا عليها ( تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) .
واو : فطالبوهم بحجة أقوى من مجرد التذكرة ، بحجة مادية مثل إحياء الموتى وتفجير ينابيع الأرض ذهبا ، والعروج إلى السماء ، ليضطروا إلى الإيمان ، ولم يكتفوا بهدى عقولهم ، ولم يقاوموا ضغط التقاليد بإرادة التحرر منها لذلك قالوا : ( فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ )
[ 11 ] زاء : واعترف الرسل بأنهم بشر ، لا يتميزون عن غيرهم سوى بالوحي الذي هو مضاف إلى شخصياتهم ، وليس جزء منها ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) وهذا التأكيد القرآني جزء من دعوة الرسل ، ودليل صدق على أنهم لم يجعلوا الافتراء على الله وسيلة للمكاسب المادية ، ولا يريدون ذلك ولا يسمح لهم ربهم بذلك أبدا .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 68 ص 217 .