وتراهم يصدون الآخرين عن سبيل الله ، ولا يدعون الناس يؤمنون باليوم الآخر ، ربما من أجل إبتزازهم وإستغلالهم ، بل أكثر من هذا فهم يحتالون على فكر الناس ويضلونهم بغير علم ، من أجل تحكيم سيطرتهم على المستضعفين .
( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) إن الكافر الذي حليت الدنيا بعينه ، لا يردعه عن الشهوات ومصالح الدين ، فإذا علم أن مصالحه تتعارض وتعاليم الدين سوف يعارضها ، وإن وجد مقاومة من قبل الملتزمين بالدين ، فسرها حسبما شاء كما تفعل الصحف اليوم ، وقديما الأنظمة الفاسدة التي تمنع انتشار الوعي الديني إلا أنها كانت تنشر الضلالة باسم الدين .
( وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ) يريدون دينا يدعم مصالحهم ، ويؤيد استغلالهم للناس .
( أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) فهم يحسبون الدنيا خالدة ، ويزعمون أن اللذات العاجلة كل شيء بالنسبة إليهم ! كلا . . إنها سبيلهم إلى عذاب شديد .
إتمام الحجة
[ 4 ] كون ربنا عزيزا فإنه حكيم أيضا ، لا يعذب الناس إلا بعد أن يتم حجته عليهم . ولكن كيف ؟ قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) بكل وضوح وبعبارات مفهومة وأمثلة وقصص ، لتذكر من أراد الآخرة ، وسعى لها سعيها فان الله يهديه إليها ، ومن أعرض عنها واستحب الدنيا ، فإن الله يضله ( فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) فلا يضل أحدا أو يهديه إلا بحكمته البالغة .
[ 5 ] والتاريخ يشهد على هذه الحقيقة ، فعندما أرسل ربنا موسى بآياته التي تستجلي الفطرة ، وتبهر العقل بعصاته ويده البيضاء ، وأمر الله بأن يذكرهم بأيام الله حين ينتصر المظلوم على الظالم في الدنيا والآخرة ، لعله يخرجهم بهذه التذكرة من ظلمات الإرهاب والعذاب وعبادة الطاغوت إلى نور الحرية والرفاه وعبادة الرحمن .
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ) فجاء ذلك اليوم الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه سريعا ، وأورث بني إسرائيل أرضهم وديارهم ، ولكن لم يتم ذلك ولم يكن ليتم إلا بالصبر والشكر ، والمزيد من تحمل الصعاب ، والمزيد من العمل الذي يفتح العقل ويهدي به الله السبيل ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) .