ثالثاً : الظلمات هي الحالة الأولى التي كان البشر فيها على حالة من العجز والنقص ، وغلظة الروح ، وانغلاق النفس والجهل ، وغلبة الشهوات ، وبتعبير آخر : إنها حالة العدمية المحيطة بالخلق من قبل أن يرش عليها ربنا من نوره ، خلقا وإنشاء وقوة وعلما .
والرب الحميد الذي نفخ في هذا الإنسان من نور الإيجاد ما أخرجه به من ظلمات العدم إلى نور الخلق . هو الذي بعث بنور الرسالة ليخرجه به من ظلام الجهل إلى نور العقل والعلم ، ومن ظلام الجهالة والجاهلية والفوضى إلى نور التزكية والتسليم والنظام .
( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) فليس الله باعث النور فقط ، بل هو الذي يرعاه أيضا لحظة بلحظة ، وخطوة بخطوة ، فلولا تأييده لرسله لم يقدروا على إنقاذ البشر من الظلام ، وإشاعة النور في حياتهم .
والنور الإلهي هو الهداية إلى السبيل المؤدي إلى الله العزيز ، الذي قهر بقوته كل شيء ، والحميد الذي وسعت رحمته كل شيء ، فلم يأخذ أحدا بقوته إلا بعد أن أتم عليه حجته وأسبغ عليه من نعمه ظاهرة وباطنة .
وويل للكافرين من عذاب شديد
[ 2 ] السماوات والأرض لله ، فمن أعز منه جانبا ، ومن هو أحق بالخوف منه وهو الذي لا يرحم الكافرين ، بل يهددهم بعذاب شديد ، وويل وثبور ( اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) هذا صراط العزيز الذي أحاط بملكوته ما في السماوات والأرض ، وينتقم بشدة ممن يكفر به ، أو يتنكب عن صراطه .
[ 3 ] لا يجوز لنا نحن البشر أن نتكئ على رحمة الله وننسى عقابه ، ونأمن من انتقامه ، لأن تجربتنا في الحياة كشفت لنا عن وجود الآلام والمآسي إلى جانب البركات والرحمات ، ولكن بالرغم من ذلك نجد البعض يغترون بالجانب المخملي من الدنيا ، لأنهم يفضلون العاجلة على الآخرة .
( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ ) فهم كالطفل لا ينظر أبعد من واقعه الحاضر ، ولا يؤمنون إلا باللحظة التي هم فيها . أما المستقبل والعاقبة ، فهم يكفرون بهما ، شأنهم شأن الأنعام .
وهذه الجاهلية هي التي تدفعهم إلى الكفر بما وراء حاضرهم المشهود من غيب معلوم .