بل أنه خلقها ، ثم استوى على العرش يدبر أمرها ، فحتى حركتك أنت إنما هي بإرادة الله ، فكيف بالسموات والأرض ، فالله وراء كل شيء يجري في الكون ومدبره .
( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ) إن الله سخر الشمس والقمر لأهداف معلومة وإلى وقت معلوم ، لذلك لا نتطرق إلى هذه الأهداف ، ولكن الذي يهمنا هو أن الشمس والقمر لفظان يدلان على العموم مما كان من جنسهما ، وهذا يعني حتى الأرض ، وربما أن الله سبحانه ذكر هذين الاثنين للإشارة إلى أبناء الأرض .
ثم إن الآية تشير إلى أن الشمس والقمر يجريان إلى نهاية محدودة ومعلومة لعمرها ، ولكننا لا يمكننا تحديد ذلك الوقت بالدقة إلا أن عمر الشمس والقمر يقدر بأعمار الكواكب والنجوم ، وعلى كل حال ، إن شمسنا هذه أصبحت كهلة بالنسبة إلى بعض الشموس الأخرى .
يقول أحد العلماء أن ( النجم ) يمر من مرحلة إلى أخرى عملا بقوانين التطور الطبيعي ، ولأنه كان يتطور فإنه يهرم ، وقد يستغرب القارئ قولنا : إن النجم يهرم ، فمنذ أن كانت البشرية لم يسمع أحد بأن النجم القطبي ينازع ، أو أن الكوكب الفلاني يلفظ أنفاسه ! ومع ذلك فإن هذا ما يحدث في الواقع ، فكل نجم إذ يلمع يشع طاقة ، كأي كائن حي خلال حياته ، وإذا أفلح بطريقة ما في تجديد طاقته فإن هذه الطاقة تنضب أخيراً ، ويكون هذا النضوب سريعا بقدر ما يفرط به ، ويأتي وقت لا محالة تنفذ فيه جميع وسائله .
فإذا نظرنا إلى الشمس نلاحظ إنها شتتت في الفضاء بشكل إشعاعات كهرومغناطيسية مختلفة طاقة تبلغ ( 000 . 180 ) مليار مليار كيلو واط ، وهذا ما يكفي لحمل مياه المحيطات كلها على الغليان في ثانية واحدة ، وتعجز مخيلتنا عن تصور أرقام بهذا المقدار ، ولكنها تحملنا على الاعتقاد بأن هذا التبذير لن يمكن الشمس من أن تعمر طويلا ، ولو كانت مؤلفة من الفحم الصافي لكانت قد تحولت منذ زمن طويل إلى رماد ، ولكن ما يغذي الشمس بالطاقة ليس وقودا كيميائيا عاديا ، وهي تدين بإشعاعها لتفاعل زخمي حراري دائم ، كما هو معلوم .
بقيت كلمة وهي إن هذه الآية تشير إلى أن الزمن جزء من الطبيعة ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ ) إن الله يفصل الآيات لنا ، ويقصها علينا ، ولكن ما هو الهدف ؟ .
( لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) اليقين هو أعلى درجات الإيمان .
من هدى القرآن — صفحة 178
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٨