كوكبا هم أخوته الذين سجدوا أمامه جميعا .
وهكذا جعل ربنا تلك الرؤيا حقيقة . بينما كان من الممكن لو لم يوفر يوسف شروط تحقيقها في نفسه وبسعيه وحسن اختياره أن تبقى حلما وأماني .
( قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ ) ركز حديثه على مرحلة السجن لأهميتها ولبعد المسافة بين السجين المتهم بجريمة شرف وبين الملك العزيز الذي بيده كل شيء .
( وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ ) أي من حياة الصحراء إلى العيش بمصر ، حيث المدينة ؛ ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) أي أفسد العلاقة بيني وبين إخوتي . ثم أكد أن أمر الله ينفذ برفق بين ثنايا الحياة كما الماء في مسارب الرمال ، بحيث لا يعرف أحد كيف تم التحول .
( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ) حيث أن تدبيره يوغل برفق ومن دون صخب أو صعوبة بين صخور الحياة دون أن يقدر أحد على الوقوف أمامه . ( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) فبعلمه سبحانه أحاط بسبل الحياة . وبحكمته أجرى تدبيره عبرها حتى النهاية .
[ 101 ] في عزة قدرته وملكه لم يغفل يوسف عليه السلام ربه . ولم ينس أنه هو الذي آتاه الملك ، وأن ما عنده جزء من الملك الأكبر الذي يملكه الله سبحانه فخوله إياه . كما أن علمه جزء مما عند الله . . وبالتالي فإنه بحاجة إلى ربه ليأتيه المزيد من الملك . ويعلمه المزيد من تأويل الأحاديث ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) .
إن نشوة الانتصار لم تدع يوسف إلى الانتقام لأيام الذلة والعذاب . حيث ألقي في الجب ، وحيث وجد نفسه عبدا يتبادله الناس بثمن بخس دراهم معدودة ، وحيث تسجنه امرأة العزيز زورا ، ويعاني في السجن الأمرين ، ذلك لأن قلبه كان عامرا أبدا بنور الله فلم يصب بعقدة النقص والانهيار والسلبية . كما لم يصب بالغرور والفخر لأنه كان يعلم أن الشر والخير فتنة ، وأن البلاء رحم العظمة وقد تكون النعمة سبيل الهاوية .
كما كان يؤمن بأن الحياة الدنيا بما فيها من خير وشر ، قنطرة إلى الآخرة التي هي الحيوان ، لذلك لم ينس تفاهة الدنيا بخيرها وشرها ، بسجنها وملك مصرها ، لذلك قال - وهو يدعو ربه - : ( فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) إن الهدف الأسمى للإنسان ينبغي أن يكون الاستمرار على خط الإسلام حتى
من هدى القرآن — صفحة 162
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٢