التكذيب سنة اجتماعية
[ 98 ] يبقى أن نعرف : إن ذلك ليس قدراً مقضيًّا عليهم بل سنة اجتماعية ، والفرق بين القدر والسنة ، إن القدر كطلوع الشمس من مشرقها في وقتها لا يخضع أبداً لإرادة البشر ، بينما السنة كما التمرد ضد الظلم ، وسقوط الطاغوت ، قد يتقدم أو يتأخر ، أو حتى لا يقع إذا أراد الإنسان ، فقد لا يقرر المجتمع المضطهد التمرد ضد جلاديه ، وقد يغير الطاغوت عاداته الظالمة في الوقت المناسب فيمدد في أجله ، وهكذا جحود الظالمين وكفر المكذبين بآيات الله ليس قدراً ، بل سنة ، فمن الممكن عقلًا أن يدور المرء مائة وثمانين درجة باتجاه الصلاح كما فعل قوم يونس ، ولكن لا يقع ذلك عادة بسبب تكبر الفاسقين وتعاليهم عن التوبة إلا بعد فوات الوقت .
فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا أي لماذا لم يقدم هؤلاء إيمانهم في الوقت المناسب ؟ لماذا لم يتب الطاغوت حين رأى تململا اجتماعيا ، بل أخذته العزة بالإثم ، حتى أصبح التململ تمرداً عارماً ؟ ولماذا لم يتب الشعب المتوغل في الفساد الخلقي ، وفي ظلم بعضهم لبعض ، حين رأوا نقصا في الثمرات ، وتدهورا في الاقتصاد ، وفي الصحة العامة ، بل استمروا في غيهم حتى انهار اقتصادهم وصحتهم تماما ؟ ! .
إن هذا التحريض القرآني الشديد يدل :
أولًا : على إمكانية تحول الفرد والمجتمع تحولا جذريًّا قبل فوات الأوان .
ثانياً : إنه يدل على الصعوبة البالغة لهذا التحول ، مما يقتضي التحريض بكلمة عنيفة وهي لَوْلا .
أجل إن قوم يونس ضربوا مثلًا رائعاً في هذا التحول ، الذي ينبغي أن يكون قدوة للمجتمعات الضالة التي يعبر عنها القرآن الحكيم عادة بكلمة قَرْيَةٌ .
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ إلى أن انتهى أجلهم الطبيعي الذي حدده الله لهم ، فالأمم كما الأفراد ينتهون بطريقتين : إما بصورة طبيعية كحالة الشيخوخة ، وأما بسوء أعمالهم كحالة القتل في الفرد ، والاضطراب في الأمة .
وقد سميت هذه السورة باسم يونس لأهمية التحول الاجتماعي الذي حدث عند قومه فليس من السهل أن يستيقظ مجتمع مسترسل في الفساد ، سادر في الميوعة واللامبالاة مرة واحدة ، ويعود إلى رشده الأولي .
وجاء في حديث الصادق عليه السلام عن قصة قوم يونس :
( وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلَانِ ( عَابِدٌ )