ويبقى أن نذكر عدم شك الرسول ومتانة يقينه إنما جاء بسبب الوحي ، فلولا الوحي ولولا روح القدس الذي كان يأتيه بالوحي ، إذا كان الرسول بشراً كسائر الخلق ، ولذلك ينبغي إلا نحاول فصل الرسول وعصمته ورفعه درجته عن القرآن وأثره فيه .
باء : إن الانتفاع بالعلم الحقيقي جزء من رسالة الدين ، ولا يقتصر هذا العلم بالفيزياء والكيمياء مما يتعلق بالعلوم التجريبية ، بل وأيضاً التاريخ والاجتماع والتي تسمى بالعلوم الإنسانية ، ولكن بشرط فصل الرواية عن الدراية ، وفصل المعلومات الحقيقية عن النظريات الإحتمالية .
جيم : إن الشك واليقين عملان من عمل البشر الذي يختارهما اختياراً ، ذلك لأن الشك قد يكون بسبب انعدام العلم ، وهذا مفروض على البشر وموجود بسبب عجز البشر الطبيعي ، ولكن قد يكون الشك نابعاً من الهوى واتباع الشهوات ، فكثير أولئك الذين يشكون في الحقائق ، لأنهم قرروا سلفاً البقاء في شكهم ، ولأنهم لا يفكرون منطقيًّا ولا يبحثون عن المصادر السليمة للمعرفة ولأنهم بالتالي يخافون من مسؤوليات العلم التي لابد أن يتحملها كل عالم ، لذلك نهى ربنا عن أن يكون الفرد من الشاكين ، لأن الشك من عمل الإنسان .
كيف تخسر نفسك ؟
[ 95 ] كما أن الكفر والأيمان من عمل الإنسان ، لذلك نهى القرآن من أن يكون الفرد مكذبا بآيات الله ، بأن يتخذ موقفا سلبيًّا مسبقاً من كل دليل علمي يدل على الحقيقة وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنْ الْخَاسِرِينَ ولماذا يكذب الفرد بالحق ، أوليس من أجل مصالحه وشهواته ؟ ! ولكن عليه أن يعرف أن التكذيب بالحق يسبب له خسارة نفسه ومصيره .
[ 96 ] والسؤال الذي يفرض نفسه : لماذا يسبب الفرد خسارة نفسه عن طريق تكذيبه بآيات الحقيقة ؟ .
الجواب : إن فريقاً من الناس يكذبون بالحق بسبب سوء أعمالهم وسلوكهم ، فمن اعتاد الظلم ، ومارس الجرائم يطبع الله على قلبه حتى لا يؤمن ، إلا في وقت لا ينفعه إيمانه إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ .
[ 97 ] وعدم إيمان هذا الفريق من الناس ليس بسبب نقص في الآيات ، بل بسبب انغلاق أنفسهم دون نور الإيمان وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ أجل أنهم يؤمنون فقط حين يرون العذاب فلا ينفعهم إيمانهم حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ .