تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
عذاب الخزي في الحياة الدنيا وأعطاهم مهلة إلى فترة محددة .

بينات من الآيات : بين الشك واليقين

[ 94 ] لم يشك الرسول في صحة رسالة الله التي أنزلت اليه ، ولكن خشية الرسول كانت من عدم تطبيق الرسالة بسبب جحود الكفار ، وبسبب حكمة الله البالغة التي قد تقتضي تأجيل نصر الله لرسالته ، كما كانت خشية موسيعليه السلام حين ألقى السحرة حبالهم فسحرت أعين الناس ، كانت خشيته آنئذ من أن تشاء حكمة الله إلا ينصر رسالته في تلك اللحظة فتنة للناس ، وابتلاء للرسول . بيد أن هذا الشك وهذا الخوف يقل حينما نراجع التاريخ ، ونسأل الذين يقرؤونه ، حيث ينصر ربنا سبحانه رسالته في لحظة الحرج وساعة العسرة فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ولا يعني السؤال هنا : أن يذهب رسول الله أو المؤمنون به إلى شخص مثل ( عبد الله بن سلام ) الذي آمن بالرسالة ، وكان عارفاً بتاريخ الرسالات ، إنما جرى الحديث مجرى العموم ، أي مراجعة الخبراء والعارفين بالتاريخ من جميع الطوائف ، وطبيعي أن سؤالهم يؤيد الحقائق القرآنية ، ولكن بشرط أن يكونوا ثقات ، والثقة شرط فطري وعقلي للعالم الذي يسأله الناس . لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ أي حين تراجع التاريخ وترى كيف نصر الله رسالاته آنئذ إبتعد عن الشك إلى اليقين ، وهذه الآية توحي ببعض الحقائق التي نشير إليها فيما يلي : ألف : إن الخطابات القرآنية لا يجب أن تكون موجهة إلى شخص الرسول ، لأن القرآن كتاب الله إلى الناس جميعاً ، وبذلك لا نحتاج إلى التأويل ، كلما وجدنا خطاباً في الآيات ، ولذلك قال الزجاج في هذه الآية كلاماً نراه في كل الآيات المتشابهة تقريبا : ( بأن هذه الآية قد كثر سؤال الناس عنها وخوضهم فيها ، وفي السورة ما يدل على بيانها ، فإن الله سبحانه يخاطب النبي وذلك الخطاب شامل للخلق ، فالمعنى : ( فإن كنتم في شك فاسألوا ) والدليل على قوله في آخر السورة : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ الآية [ يونس : 104 ] فأعلم الله سبحانه إن نبيه ليس في شك ) « 1 » .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 5 ، ص 226 .