تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
عواملها وتغيراتها . ورسالات الله تنقذ الإنسان من أصله ، وترفع عنه هذا الثقل المادي بتوجيهه إلى العالم الأعلى ، عالم الروحيات ، وعالم المستقبل القريب في الدنيا ، والمستقبل البعيد في الآخرة . وكما ترفع الرسالة أصر البشر ترفع الأغلال الآتية من الإصر ، مثل الأغلال الاجتماعية التي يفرضها النظام السياسي ، أو الاقتصادي الحاكم على المجتمع ، والقوانين المعيقة للتقدم ، والكبت والإرهاب الفكري الذي يمنع تفجير النشاط ، وتفتق المواهب .

شروط الفلاح

وعاقبة هذه الرسالة الفلاح والسعادة ، ولكن بشرط أن يؤمن البشر بها ، وأن يعظمها ويوقرها ، وأن ينصرها عمليًّا باتباع كل مناهجها ، وأن يتخذ قيمها ومعاييرها ميزاناً لتقييم أحداث الحياة ، وتفسير متغيراتها ، ومعرفة الناس فَالَّذِينَ آمَنُوا بِه إيماناً واقعيًّا بأن سلموا له أنفسهم ، ولم يتكبروا أو يتعالوا عليه وَعَزَّرُوهُ أي جعلوه كبيراً في أنفسهم ، أكبر من شهواتهم ومن ضغوط الحياة وَنَصَرُوهُ أي قدموا له إمكاناتهم ، وجعلوها في خدمة رسالته وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ وهو القرآن ، وكما يستضيء البشر بنور المصباح في الليل ، كذلك استضاءوا بنور القرآن في ليل الحياة ، فرأوا به ومن خلاله ما في الحياة من خير وشر ، وحق وباطل ، وهدى وضلالة أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ أي السعداء في الدنيا والآخرة .

كيف نعرف الله ؟

[ 158 ] معرفة الله سبحانه تسبق سائر المعارف الدينية ، وهي تتم بطريقة فطرية ، وبالتذكرة بما في الكون من آيات ، وبما في النفس من بحث ووله ، وحين يتذكر البشر ويعرف ربه يسهل عليه أن يعرف رسالة ربه لما فيها من تناسب وتناغم ، فرسالة الله شاملة واسعة الرحمة ، لطيفة المناهج ، متينة الأركان كأي اسم آخر من أسمائه الحسنى ، فهي كما الشمس والقمر ، ومثل السماوات في سعتها وقدرتها ، ومثل الأرض في متانتها واستقرارها ، ومثل ظاهرة الحياة فيما تعطيها للنفوس من حرارة الحياة ، لذلك كان من أقرب الطرق إلى معرفة الرسالة والرسول هو معرفة الله ، والتذكر بعظمته وقدرته ولطفه ورحمته ، ولذلك أيضا كان يستشهد الرسل بالله على صدق رسالاتهم قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وكما أن رحمة الله وسعت كل شيء ، كذلك رسالته فهو الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ