وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ الأفئدة هي القلوب التي كانت سابقاً محلًا للفطرة النقية ، وللمقاييس السليمة ، أما الأبصار فهي الحواس التي تتبع القلوب ، فإذا تحولت وتبدلت معايير البشر ، فإن حواسه هي الأخرى تتحول دون أن يقدر على الاستفادة السليمة منها ، وآنئذ يصبح هؤلاء بسبب فقدان الفطرة .
كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ والسبب أن هؤلاء طغوا ، والطغيان يسبب قلب الأفئدة ، وتبدل المقاييس .
فالبشر الذي يتبع عقله ، ويتبع الحق ، والحق هو هدفه ، مزود بمقاييس لمعرفة هذا الحق ، ولكنه حين يتبع شهوته ، ويتبع ذاته ، والذات الطاغية كل هدفه ، ومقياسه في الحسن والقبح ، والخير والشر ، والفضيلة والرذيلة ، هو الأقرب إلى نفع ذاته وتحقيق هدفه اللامقدس من وراء شهواته ، وتكون أصول دينه ثلاثة : الطعام والشراب والجنس ، وأحكام دينه هكذا : الحلال ما حل باليد ، والحرام ما حرم منه الإنسان ، لذلك يحذر القرآن من مغبة الكفر بالآيات ويقول :
وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ لا يتلمسون طريقهم لأنهم طغوا ، بل إن هؤلاء يفقدون شيئاً فشيئاً المقاييس لمنفعة ذواتهم ، فيخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين .
[ 111 ] ودليل كذبهم ونفاقهم : أنهم لو أنزلت عليهم أكثر الآيات إثارة لم يؤمنوا .
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى بل أكثر من هذا لو أن الله حشر عليهم الأموات حتى يواجهوهم بالحقيقة الصريحة ، كما إذا حشر عليهم الطيور فآمنت بالرسالة مع ذلك ما آمنوا .
وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فيهديهم هداية مفروضة عليهم وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ .
من هدى القرآن — صفحة 404
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٤