على دليل مضاد فلا يبعث موقفهم في أنفسنا الوهن والشك فنقول : لعل حديثهم ينطوي على جانب من الصحة فنخرج - لا سمح الله - من الإيمان ، لذلك جاء هذا الدرس وما مضى ليؤكد على أن الله سبحانه ليس فقط حرم هؤلاء من نعمة الهداية ، وسلبهم نعمة الفطرة النقية ، وإنما أيضاً نظم هؤلاء في قيادة مناهضة لإمامة الرسول ، وجعلهم يقلدون أساليب الرسالة حتى أن بعضهم يوحي إلى البعض الآخر وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ .
والسؤال : كيف جعل الله ذلك ، هل خلق أعداء ليكونوا مناهضين للرسالة ؟
ربما الجواب السليم هو : أن هذه سنة من سنن الله في الحياة ، يذكرها القرآن هنا لنكون على بصيرة منها لئلا نفاجأ بها ، ولأن كل السنن في الكون من صنع الله لذلك يعبر عنها القرآن دائماً بمثل هذه التعبيرات .
إن الرسالة التي تنتشر دون مقاومة أعداء لابد أن يتهم أصحابها أنفسهم ، لأن هذه السنة لم تتحقق فيهم ، وإن الرساليين - الذي ينتظرون عملًا سهلًا وميسوراً - إنهم على خطأ ؛ إن شيطان الإنس يتمثل في مجتمع الطاغوت ، وشيطان الجن يتمثل في أهواء الجبت والمنافقين وما أشبه .
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وحي الرسالة يتمثل في البصائر التي تساعد البشر على رؤية حقائق الحياة ، بينما وحي أعداء الرسالة وثقافاتهم الأسطورية ( المقدسة عندهم ) يتلخص في أقوال مزخرفة ذات أدب خاو مشبع بالكلمات المفخمة ، غير ذات المحتوى ، أما روح هذه الكلمات فيتمثل في الغرور ، ونفخ الأنانية الباطلة ، إن هذا مقياس صادق لتمييز الثقافة الرسالية عن الجاهلية .
حيث أن الأولى تدعو إلى تقديس الحق ، والتواضع له ، ونسيان الذات والأرض ، والدم واللغة ، والثروة وما أشبه من أجل إحقاق الحق ، بينما الثانية تقدس كل شيء مادي غير الصدق والحق والخير وما أشبه .
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ فلا نتصور أن هناك ضرورة تدعو إلى إسكات هؤلاء ، وتصفيتهم أو هدايتهم ، إذ لو شاء الله لفعل ذلك ، فهو قادر على ذلك وإنما لم يفعل لحكمة بالغة .
الإيمان بالآخرة ومسؤولية الضلال
[ 113 ] ومن سنن الله في الحياة أنّ نعيق أئمة الضلال يستقطب الهمج الغثاء الذين
من هدى القرآن — صفحة 406
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٦